الكاتب: سمير الجندي
في رحاب مدينة صفاقس العريقة، المدينة التي كتبت تاريخها بمداد الصمود، والتي وقفت يوما في وجه الغزاة حتى انكسروا على أسوارها كما تنكسر الأمواج على صخور البحر، كان لي اللقاء الأول مع فعاليات معرض صفاقس لكتاب الطفل؛ لقاء لم يكن مجرد زيارة لمعرض كتاب، بل كان عبورا إلى فضاء من الأمل يتشكل على هيئة طفل يحمل كتابا.
هناك، في أروقة المعرض، تجتمع دور نشر محلية ودولية، كأنها أنهار معرفة تصب في نهر واحد: بناء الإنسان.
وكان الأطفال والفتية يتنقلون بين الأجنحة كفراشات تبحث عن رحيقها في حدائق المعرفة، بينما الآباء والأمهات يختارون الكتب بعناية، مدركين أن الكتاب ليس سلعة تقتنى، بل بذرة تزرع في وجدان المستقبل.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا المشهد الثقافي البهي، ذلك الطفل التونسي الصغير، الذي لا يتجاوز عمره خمسة أعوام، لكنه يجيب عن السؤال برصانة وثقة، وكأنه يحمل في صوته خلاصة بيت يعرف قيمة العلم والمعرفة.
وما ذلك إلا ثمرة المرأة التونسية التي لا تكتفي بتربية الأبناء، بل تصوغ فيهم معنى الإنسان.
وكأن المشهد كله يقول:
يا تونس…
يا أم الحروف إذا تنفس مجدها
صارت دفاترنا حدائق أنجم
فيك الطفولة لا تربّى صدفة
بل تستقى من حكمة الأم الرؤم
فالمرأة التي تربي طفلا قارئا، إنما تضع حجرا في بناء الحضارة، وتخط على صفحة الغد سطرا من نور.
وفي المعرض أيضا ترى شبابا كأنهم الورد في نضارته؛ خلق كريم، وانتماء صادق، ووطنية صريحة.
وما إن تقع أعينهم على علم فلسطين في جناح دار الجندي للنشر حتى يقفون وقفة إجلال، يستحضرون القصائد التي قيلت في فلسطين وتونس، ويستذكرون آيات القرآن التي تنادي بكرامة الإنسان وحقه في الحرية.
كأن العلم يوقظ فيهم نشيدا خفيا يقول:
فلسطين في قلب الزمان قصيدة
ما زال يكتبها الدم العربي
إن غاب صوت السيف يوما في المدى
فالطفل بالكتاب هو السيف القوي
وما كان المعرض مجرد عرض للكتب، بل كان منبرا للفكر؛ ندوات عميقة شارك فيها مختصون في أدب الطفل، فأثروا الحضور بمعرفة تضيء الطريق أمام من يؤمن بأن بناء الطفل هو بناء الوطن.
إنه بحق عرس ثقافي تربوي أقامته نخبة صادقة من أبناء تونس، أولئك الذين يؤمنون بأن الأمم لا تبنى بالسيوف وحدها، بل بالكلمات التي تسكن عقول الأطفال.
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أذكر مثالا كريما كان له الأثر الكبير في مشاركتي الثرية في هذا المعرض الجميل؛ الأستاذة سارة الشرفي، والأستاذ سليم عشيش، اللذان عملا بلا كلل ولا ملل لتذليل العقبات، حتى يخرج هذا العرس الثقافي بالصورة التي تليق بتونس وأهلها.
وإذا كان لكل مهرجان نجمة تضيء سماءه، فإن الإخلاص هو النجم الذي أضاء هذا المعرض.
ولعل المعنى كله يمكن أن يختصر في هذه الأبيات:
إذا أردت غدا يليق بأمة
فازرع كتابا في يد الأطفال
فالطفل حين يصادق الحرف الذي
يعلو… سيكبر سيد الأبطال



