الكاتب:عبد السلام العطاري
الدّهشةُ فيما نكتبُه ويصيرُ باسقًا بعلوِّ أحلامنا التي كلَّما تعالت تهبُّ العواصف وتقصف من أغصانها وتسقط لتعاين روح الأرض وتتعربش ثانيةً جدران الحلم الطويل وتظلِّل مساحات الجرأة المنقوعة بالخوف من مصائر حياة لا تعرف إلَّا المجهول لأنها غارقة في وحل الوعود المقيتة والتحليلات التي تتحدث عن كل شيء إلا عن تحليل الواقع، الواقع المقروء والمرئي ولكنها العين التي لا تُبصر قاع الحياة في غزة، لا تبصر الناس ولا جوعهم ولا أقدامهم التي تعفرت وتشققت وما زالت تنزُّ الوجع وتنزفه، وكذلك فهم البطولة التي لا تعرف أن البطولة تنقش الحياة على كاحل الفجر كي تصير الطريق أقصر وأقرب من حبل الوريد إلى شاطئ الأمن والأمان.
عندما وجدت فايز أبو عون في نصوصٍ كَتَبَها فوق الردم وتحت القصف وبين الركام لتكون بين دفتي كتاب الكتابة خلف الخطوط، ووقفت أمام نصين له بعنوان قبل الدبابات وبعد الدبابات، وجدت نفسي محمولا بالتعب والخوف والإرهاق على طريق لا شيء سوى غبار، ضباب من غبار الرمل والتراب وخطوات النازحين إلى جهات لا جهات لهم فيها ولا دالة تدلهم إلى مأمن ومسكن وطعام يطفئ جوع أطفال لا يعرفون معنى الحرب ولا يدركونها، عندها وجد ت أن الفلسطيني يبحث عن طوق النجاة والخلاص في نصوصه الأدبية ورسوماته الفنية والموسيقى التي تعلو صوت طوارق الموت وسهام الجحيم، وهذا ما دفع الكاتب والسارد للتَّخندق خلف صروح حروفه ومعانيه عندما أصبحت كل غزة ومدنها وبلداتها ومخيماتها ورملها وسوافيرها وبحرها هدف غول العتمة الذي أنشب جنونه بنار حقده التاريخي على كل المكان والزمان والتاريخ والإنسان، وأمام ومرأى الكون الذي لم يرَ أن هناك بقعة على وجه الأرض تُباد وتسوى حياتها تحت ما قبل الميلاد.
لذلك كتب فايز أبو عون، رؤاه السردية ككثبٍ رملية ناعمة كلَّما قَبَضَتْه يد طفل النزوح والجوع سال من بين أصابع كفه الطرية لتشكِّل كثبانا صغيرة وهوامش للريح التي تعاينها عيون أطفال البلاد التي لا تريد أكثر من نوم قديم عميق، وشمس يداعبون خيوطها على شاطئ كان لوحة الله على البحر ملونة بصفاء قلوب الناس الطيبين.
فهذا السَّرد الجارح الموجع الذي يعالجه فايز أبو عون، المتشققة قدماه من رحيل إلى رحيل ومن شوك إلى رمل، إلى طين يابس، إلى كل ما تراه في مخيال وجع النزوح، هذا السرد المتوقد جمره يُشعل مواقد الدفء تحت خيمة النزوح الممزقة والمرقعة بالخذلان والصبر والاحتساب والحسرة والسؤال الطافح بـلماذا يا الله يبصرون كل شيء في الكون الذي يتسع لكل شيء إلا لنا نحن أبناء التاريخ المبعثر على جغرافية ممزقة ولا سيارة تنقذنا من غيابات هذا الجب السحيق.
لعل هذا الجُب يضيء ببصيرة وبصر أطفالٍ ولدوا وفي آذانهم صوت ارتطام الجحيم وأذان الله وتكبيرات تتعثر في حناجر باكيةٍ، فهذا الصوت في الأرض صوت أمهات يُهدهدن بمهدِ أحضانهن التي تُدفئ طراوة أجساد مغمسة بلبن الطير وعيون تتفتح كشقائق وأقحوان ربيع لا يُرى لونه الطافح بالغبار غبار الكنائس والمساجد بيوت أُذن أن يُذكر فيها اسمه فصمتت تحت الردم وتحت الركام الأعمى.
هُنا في نزوح تحت الحراب، إغماضة موجعة وألم مسكون بالألم، سرد يبعث على السرد ويَلِدُ قصصا جديدة.
هُنا، تمشي بثقلِ الأحزان التي تتكاثر كلما عبرنا حياة النزوح، حياة الحرب التي لا تنتهي.
فمن يمدُّ يده إلى يدنا في هذا الجُب العتيق العميق المملوء بنا!
*إلى روح الصديق الطيّب فايز أبو عون هذا تقديمي لكتابه [ نزوح تحت الحراب] قيد النشر في الدار الأهلية، الذي لم نستطع أن نضعه بين يديه قبل أن تصعد روحه الطاهرة إلى خالقها، رحمك الله أيها الإنسان الطيّب الذي عاش بهدوء وكتب وأبدع بهدوء.



