الكاتبة: مريم مشتاوي
لم تبدأ الحروب يوماً من قلب طفل، الأطفال لا يفتحون الجبهات، ولا يطلقون الصواريخ، ولا يجلسون حول الطاولات ليقرروا مصير المدن. لكنهم دائماً أول من يدفع الثمن. في لبنان، البلد الصغير، الذي تعب من تكرار المآسي، عاد له صوت الحرب مرة أخرى. عاد كما يعود شبح قديم يعرف الطرق إلى البيوت جيداً. في لحظة واحدة، صار الجنوب وبيروت والبقاع تحت النار!
لم يكن لأمهات الجنوب رأي في الصواريخ، التي عبرت السماء، ولم يكن لآباء القرى الذين يستيقظون فجراً لقطف الزيتون أي كلمة في الحرب، التي فتحت فجأة.
القرار لم يكن هنا. لم يكن بين هذه الحقول ولا بين هذه البيوت التي تشبه أصحابها. لكن النار وصلت.
هكذا ضربت إسرائيل بضعة صواريخ تشبه الألعاب النارية. تشيد السماد فقط وتسقط خجولة. أما الرد فجاء حرباً كاملة. وهكذا، كعادته دائماً، صار لبنان مرة أخرى ساحة لحروب الآخرين.
في الجنوب، لم يعد هناك جنوب، القرى التي كانت تتنفس بين التلال احترقت بالكامل، البيوت التي كانت تحفظ دفء العائلات صارت جدراناً مفتوحة على الريح.
خرج الناس من بيوتهم على عجل. بلا حقائب، بلا وقت حتى ليقولوا وداعاً للأماكن التي عاشوا فيها عمراً كاملاً، الأمهات يحملن أطفالهن، والأطفال يحملون خوفهم.
في الطرقات الممتدة من الجنوب نحو بيروت والبقاع، تشكلت قوافل بشرية طويلة. سيارات صغيرة مكتظة بالعائلات، ووجوه متعبة تبحث عن مكان آمن في بلد لم يعد يعرف معنى الأمان.
بات الجنوب شبه فارغ. هرب الناس من النار، تركوا البيوت، والحقول، والذكريات، وكل ما صنع حياتهم هناك.
وبين ليلة وضحاها، صار كثيرون بلا مأوى. نامت العائلات في المدارس، وافترش البعض الأرصفة، وبحث آخرون عن زاوية دافئة في مدينة لم تكن مستعدة لاستقبال موجة نزوح جديدة.
في عز البرد، وفي أيام الصيام، مسن يبكي بحرقة على الرصيف. أطفال يرتجفون من البرد. أمهات يحاولن إخفاء خوفهن بابتسامات مكسورة. وآباء يقفون بصمت ثقيل لأنهم لا يعرفون ماذا يقولون لأطفالهم.
كيف تشرح لطفل أن الحرب ليست خطأه؟
كيف تشرح له أن وطنه مرة أخرى صار ساحة لحرب لا علاقة له بها؟
ها هو لبنان، مرة أخرى، يقف على حافة ذاكرته المثقلة بالحروب.
بلد صغير يعيش دائماً على خط النار. كلما اشتعلت المنطقة، امتدت الشرارة إليه.
في الصراعات الكبرى، لا يسأل أحد عن قدرة لبنان على الاحتمال.
ولا عن شعب يعيش أصلاً واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية في تاريخه.
لكن حين تبدأ الصواريخ بالسقوط، لا تعود السياسة مهمة. تصير الحياة نفسها هي القضية.
في الطرقات، التي امتلأت بالنازحين، لم يكن الناس يتحدثون عن توازنات القوى ولا عن خرائط النفوذ في المنطقة. كان السؤال أبسط بكثير، وأكثر إيلاماً.
لماذا يدفع اللبنانيون دائماً ثمن قرارات لم يتخذوها؟
كيف يتحول وطن كامل إلى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين؟
في الحروب، يفرض الأقوى معادلته. لكن في لبنان، يبقى السؤال الأصعب دائماً:
من يحمي الناس؟ من يحمي الأطفال الذين ناموا تلك الليلة على الأرض الباردة؟
من يحمي المدن الصغيرة التي تحولت فجأة إلى محطات نزوح؟
في الطرقات الممتدة من الجنوب إلى بيروت، يمشي الناس وهم يحملون ما تبقى من حياتهم في حقائب صغيرة.
خلفهم بيوت تركوها تحت القصف، وأمامهم مستقبل غامض.
لكنهم يمشون رغم كل شيء، لأن الإنسان، حتى في أقسى اللحظات، يتمسك دائماً بشيء صغير اسمه الأمل. غير أن السؤال الذي يبقى معلقاً فوق هذا البلد الصغير هو سؤال يعرفه اللبنانيون جيداً… ويخشون الإجابة عنه: هل كتب على لبنان أن يبقى دائماً ساحة لحروب الآخرين، لا وطناً لأطفاله؟!
تحت ظل نظام الكفالة
هناك تمشي امرأة إفريقية، وهي تحمل حياتها على كتفيها، كما لو كانت حقيبة ثقيلة لا تستطيع أن تضعها أرضاً. خطواتها سيرة تعب طويلة، 11ساعة مشي كاملة، كما قالت ببساطة، وكأن التعب صار تفصيلاً عادياً.
تقول: «كانت معنا غراض كثير، وكان معنا أولاد وهيدي مش أول مرة».
تقولها بلا شكوى كبيرة، وكأنها تعتذر عن تعبها. وكأن العالم علّمها أن الألم يليق بها.
في لبنان، تحت ظل نظام الكفالة، يعيش كثير من العاملات والعمال المهاجرين حياة تشبه السير على حافة ضيقة بين الحاجة والخوف.
يأتون من بلدان بعيدة، يحملون أحلاماً صغيرة: راتب يرسلونه إلى عائلة تنتظر، أو حياة أقل قسوة من تلك التي تركوها خلفهم. لكن الطريق إلى هذه الأحلام غالباً ما يكون أطول مما تخيّلوا.
في الأزقة الخلفية للمدن، وفي مواقف السيارات، وفي الزوايا التي لا تصل إليها الكاميرات كثيراً، تتشكل حياة أخرى موازية للحياة اللبنانية التي نعرفها.
حياة بلا حماية قانونية واضحة، ولا شبكة أمان اجتماعي، ولا حتى يقين بأن الغد سيكون أقل قسوة من اليوم.
هناك، يجلس أطفال على الأرض قرب أمهاتهم. يلعبون بأشياء صغيرة وجدوها في الطريق. لا يعرفون شيئاً عن القوانين التي تنظّم حياة أمهاتهم، ولا عن نظام اسمه الكفالة يحدد مصير أسر كاملة.
هم فقط يعرفون أنهم هنا، في بلد ليس بلدهم، وفي حياة لم يختاروها.
تعمل الجمعيات الأهلية، كما يقول العاملون فيها، على سد هذه الفجوة الإنسانية، ولكن الحرب تنهكها.
تحاول توزيع الطعام، وتأمين بعض الحاجات الأساسية، كما تحاول أن تمنح هؤلاء الناس شيئاً من الكرامة التي سقطت في الطريق بين الحدود والقوانين.
لكن العمل الإنساني، مهما كان صادقاً، يبقى محاولة لترميم ما لا يجب أن يكون مكسوراً أصلاً.
في لبنان، حيث تختلط الأزمات الاقتصادية بالحروب والهشاشة السياسية، يصبح الضعفاء أكثر هشاشة. والمهاجرون، الذين جاءوا بحثاً عن حياة أفضل، يجدون أنفسهم في مواجهة واقع أكثر تعقيداً مما توقعوا.
ومع ذلك، تمشي تلك المرأة ساعات طويلة… تمشي لأن الحياة لا تنتظر. ولأن طفلها يحتاج إلى شيء يأكله في نهاية الطريق.
ربما لا يعرف كثيرون اسمها. لكن خطواتها في شوارع المدينة تكتب حكاية كاملة عن عالم ما زال يبحث عن معنى بسيط للعدالة!
*كاتبة لبنانية



