الكاتبة : الدكتورة سناء محمد حسين شحادة
لم يكن النمل الأحمر يومًا عدوًا للنمل الأسود.
كان الاختلاف في اللون فقط، لا في الهدف ولا في الطريق.
كل نملة تعرف دورها، تمضي بهدوء، وتبني عالمها الصغير دون ضجيج.
لكن في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء.
اهتزّ الوعاء…
فانقلب السكون صراعًا،
والتعايش اتهامًا،
والاختلاف حربًا.
تقاتل النمل، لا لأنه أراد ذلك،
بل لأنه ظنّ أن الخطر جاء من الآخر،
بينما الحقيقة كانت أبعد من ساحة الصراع :
اليد التي هزّت الوعاء وغابت عن المشهد.
حين نُخطئ تشخيص المشكلة
في حياتنا الإنسانية، كثيرًا ما نتصارع كما يفعل النمل.
نختلف، نغضب، نُهاجم، ننسحب،
ثم نُحمّل بعضنا المسؤولية.
الطالب يتهم المعلم،
المعلم يلوم الإدارة،
الأهل يخاصمون أبناءهم،
وكل طرف يعتقد أن الآخر هو سبب الألم.
وقليلون فقط من يسألون:
من هزّ الوعاء؟
الهزّ الخفي
الهزّ قد لا يكون يدًا مرئية،
قد يكون:
•ضغطًا نفسيًا متراكمًا
•خوفًا دائمًا من المستقبل
•بيئة غير آمنة
•صدمة لم تُعالج
•أو واقعًا يطالب الإنسان بالقوة وهو منهك
حين يهتز الإنسان طويلًا،
لا يتصرف بعقله… بل بغريزة البقاء.
لسنا سيئين… نحن فقط تحت الضغط..
ليس كل غضب عدوانًا،
ولا كل انسحاب ضعفًا،
ولا كل صراع دليل سوء نية.
أحيانًا، نحن فقط نعيش داخل أوعية تُهزّ كل يوم، ثم نُلام لأننا ارتبكنا.
رسالة إلى المربين والمرشدين ...
المهمة الحقيقية ليست فضّ النزاعات فقط، بل فهم السياق الذي ولّدها.
ليس المطلوب دائمًا مصالحة “النمل”،بل إيقاف الهزّ،وخلق بيئة أكثر ثباتًا، وأكثر أمانًا.
حين يهدأ الوعاء، يهدأ الجميع.
واخيرا ؛ قبل أن نحكم، قبل أن نُدين، قبل أن نختار طرفًا ضد آخر…
لنسأل السؤال الأصعب:
من الذي هزّ الوعاء؟
لأن الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الصراعات لا يصنعها الأفراد،
بل تصنعها الظروف…
ثم تختفي…
* باحثة في سلك الدكتوراه
* أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية



