الكاتبة : سهير سلامة
لا يخفى على أحد منا، أن الأدب هو انعكاس لثقافة اي مجتمع، وهو مرآة المجتمع، والذي من خلاله نعبر عن قضايا الإنسان وهمومه وطموحاته، وما يجول بخاطره،ومع تطور الفكر الانساني، وبدء ظهور الحركات الاجتماعية والثقافية الجديدة، برزت النسوية كحركة فكرية وادبية معاصرة، كان اولى سلم اولوياتها هو اعادة النظر في موقع المرأة داخل المجتمع، وفي طريقة تمثيلها داخل النصوص الادبية، التي كانت تمثل صورة المرأة ككائن مهمش، وبحاجة إلى المساعدة دائما، كونه العنصر الاضعف.
فلم تعد المرأة مجرد موضوع للأدب او رمزا جماليا، تتناولها القصص والروايات، بل اصبحت صوتا فاعلا ومبدعا ومفكرا، يعبر عن ذاته، ويعيد صياغة العالم من حوله من منظوره الخاص به.
هنا وجدت النسوية لها مكاناً واسعا، وبابا مفتوحا على مصراعيه، فلم تعد المرأة الجانب المهمش لمجتمع ذكوري، نافس على مكانتها ووجودها وذاتها.
برزت النسوية في الادب، فلم تكن مجرد دعوة للمساواة بين الرجل والمرأة فحسب، بل كانت مشروعا فكريا وثقافيا ونقديا، وقابلا لرفض اي فكر من شأنه ان يقلل من صعوده.
كانت اهدافه واضحة، وجدناها في كشف صور التمييز والتهميش التي تعرضت لها المرأة في النصوص الأدبية الكلاسيكية ، مشروعا مطالبا بإعادة قراءة التراث الادبي من جديد من منظور ادبي نسوي محض، يبرز مساهمات الكاتبات اللواتي تم تجاهلهن تاريخياً، سواءا عمدا ام بغير قصد، وبما في ذلك من تمكين للمرأة من التعبير عن تجربتها الذاتية بحرية، دون الخضوع لقوالب المجتمع الذكورية التي كانت المسيطر الأول على هذه الكينونة .
كان لا بد اولا من البدء باعاده الاهتمام بالنسوية الادبية، فشهد القرن التاسع عشر، ظهور اصوات نسوية بارزة، اذكر اني كنت قرأت يوما للكاتبة فرجينيا وولف، في كتابها، "غرفة تخص المرء وحده"، انها طالبت بحق التعليم، والكتابة والاستقلال الفردي، باعتباره حقا لكل نساء العالم، ومن حقها ان تحصل على التعليم والتعلم.
ولا نغفل اننا كمسلمين وديننا الاسلامي، قد اعطى المرأة الحق في العلم والتعلم ، وحقوقا غفل الغرب كله عنها، ونالتها المرأة في دين الاسلام الحنيف السمح، فقد وجدت ذاتها ونفسها وعاشت حرة كريمة عزيزة، تراها في كل المواقف والأماكن، ولم يمنعها اي شيء عن اخذ دورها الهام كونها فرد في مجتمع ، يجري عليها ما يجري على الفرد الاخر، فساواها في حقوق اعزها بها ورفع من كرامتها عاليا، فانطلقت اما معلمة وطبيبة وشاعرة، واديبة وراوية لكثير من احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي القرن العشرين عادت الحركة النسوية الى الظهور عندما غاب الفكر الرزين وابدل بالعادات والتقاليد البالية، التي اخذت دور الجاهلية الأولى، وتراجعت النظرة الى هذا الكائن، باعتباره فقط مجرد جسد بلا روح وبلا فكر وهوية.
فأعادت النسوية الجديدة المتجددة، صياغة صورة المرأة من كونها موضوعا سلبيا الى ذات فاعلة ومبدعة، فاخذت الحركة النسوية تحولا عميقا في الادب، من حيث البنية والاسلوب، ووسعت مفهوم الادب ليشمل تجارب يومية كانت تعتبر غير أدبية، مثل كونها اما، وربة منزل، وتتعرض للعنف الاسري، والجسدي.
وقد ساعد هذا كله في جعل الادب مساحة للحوار والنقد ، في عدة قضايا تعتبر في صلب الحياة المجتمعية، ومنها الحقوق والواجبات والتحرر والقيود والهوية، واعاد تعريف الانوثة الى خارج القوالب النمطية السائدة في عقول الغالبية.
ان دور النسوية هذه وبخاصة موضوع حديثنا هنا يختصر فقط بالادب سواءا الفكري ام الثقافي، لا يقتصر في الدفاع عن المرأة فحسب، بل يتجاوز ذلك، باعادة تشكيل الفكر الإنساني برمته، من خلال رؤية اكثر شمولا وعدلا .
لقد منحت النسوية الحديثة، الادب صوتا جديداً، فاصبحت الكاتبة لا تكتب على الهامش ، بل من قلب المشهد، ومن ارض الحدث، ليصبح الادب النسوي شاهدا وعلى مر العصور على رحلة المرأة ومراحل صعودها، من الصمت الى الكلمة، ومن التبعية الى الفكر والإبداع، ومن الجور والظلم، الى الحرية والاستقلال . لتقول انا هنا وجدت لاقول لا، لا لأصمت.



