Uncategorised

حين تستعيد السفارة روحها

4 مشاهدة

الكاتب : رامي مهداوي

ثمة فرق كبير بين أن تكون للسفارة أبواب مفتوحة، وأن تكون لها أبواب تُفضي إلى دولة. وبين أن يحضر السفير في المناسبات، وأن تحضر الدولة في وعي الناس ومؤسساتهم وعلاقاتهم. الدبلوماسية، في جوهرها، ليست بروتوكولاً ولا صوراً ولا كثرة لقاءات؛ إنها قبل كل شيء بناء للثقة، وترسيخ للمرجعية، وإدارة ذكية للعلاقات بما يخدم صورة الوطن ومصالحه.

من هذه الزاوية أتابع منذ نحو عام تجربة السفيرة عبير الرمحي، سفيرة دولة فلسطين لدى دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد يكون من الإنصاف أن أقول إنني تعرفت عليها للمرة الأولى في نشاط فلسطيني على الصعيد الدولي في عمل دبلوماسي سابق، ولذلك كنت أعرف فيها منذ البداية نموذجاً مهنياً أعتز به وأفتخر به. وما أراه اليوم في تجربتها سفيرة لفلسطين يؤكد ذلك الانطباع الأول ويمنحه بعداً أكثر عمقاً.

ما يلفت في عمل السفيرة الرمحي أنها لم تتعامل مع السفارة باعتبارها مؤسسة جاهزة تحتاج فقط إلى إدارة يومية، بل تعاملت معها باعتبارها مؤسسة ينبغي أن تستعيد عافيتها المؤسسية ودورها الطبيعي.

وهذا النوع من العمل لا يصنع دائماً أخباراً كبيرة. إعادة ترتيب الإدارة والمال، تنظيم المسؤوليات، معالجة الملفات المتراكمة، تطوير المرافق، إعادة تأهيل القسم القنصلي، تحسين استقبال المواطنين ومتابعة اتصالاتهم وشكاواهم، واستكمال الإجراءات الخاصة بإطلاق منظومة الجواز الفلسطيني البيومتري، كلها تبدو تفاصيل إدارية، لكنها في الحقيقة تشكل الأساس الذي تُبنى عليه أي سفارة محترفة.

فالدولة لا تظهر فقط في القرارات الكبرى؛ أحياناً تظهر في الطريقة التي يُستقبل بها مواطن يحمل جواز سفرها. ومن هنا تبدو إعادة بناء العلاقة مع الجالية واحدة من أهم ملامح التجربة. فالجالية الفلسطينية في الإمارات ليست مجرد عدد من المراجعين الذين يحتاجون إلى خدمات قنصلية، وإنما طاقة وطنية هائلة: رجال أعمال وسيدات أعمال، أكاديميون، مهنيون، مبدعون، شباب، عائلات، ومؤسسات وفعاليات يمكن أن تكون جميعها جسوراً إضافية لفلسطين.

والسفارة التي تقترب من جاليتها، وتستمع إليها، وتفتح معها قنوات تواصل مستمرة، لا تقدم خدمة فقط؛ إنها تعيد تعريف معنى الانتماء الوطني خارج الوطن.

حتى الحضور الإعلامي والرقمي للسفارة أخذ مساحة مختلفة. الانتقال من حضور محدود إلى منصات أكثر فاعلية، وارتفاع عدد المتابعين على إنستغرام من نحو ألفي متابع إلى أكثر من عشرة آلاف، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نجاحاً في وسائل التواصل فقط. إنه جزء من تحول أوسع نحو الدبلوماسية العامة؛ حيث تصبح السفارة قادرة على أن تتحدث مباشرة إلى الناس، وأن تقدم فلسطين كما تريد أن تُرى: دولة وشعباً وثقافة وهوية، لا مجرد خبر سياسي أو عنوان أزمة.

ولعل فعالية "الإمارات تحب فلسطين" كانت التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا التحول. أكثر من خمسين ألف شخص، وحضور فلسطيني وإماراتي واسع، وثقافة وتراث وفنون ومأكولات ومنتجات وقصص نجاح فلسطينية؛ مشهد نقل فلسطين من صفحات السياسة إلى فضاء المجتمع والإنسان.

وهنا بالضبط تصبح الدبلوماسية أكثر جمالاً وفاعلية: حين تستطيع أن تجعل الناس يكتشفون فلسطين لا من خلال ما يُقال عنها فقط، بل من خلال ما تقدمه هي عن نفسها.

لكن كل هذا يقودنا إلى قضية أكبر من تجربة سفيرة أو أداء سفارة: قضية المرجعية الفلسطينية في الخارج. لقد تراكم خلال السنوات الماضية قدر من التشتت في الأدوار الفلسطينية في دولة الإمارات. مجلس عمل هنا، رجال أعمال هناك، نادي صداقة، مؤسسات وفعاليات وجامعات وجهات أخرى. وهذه كلها في جوهرها عناصر قوة وليست مشكلة. لكن القوة لا تصبح قوة وطنية إلا إذا عرفت كيف تتكامل.

فالمشكلة ليست في تعدد الأطر، وإنما في تناثر البوصلة. السفارة ليست منافساً لأي مؤسسة فلسطينية، ولا بديلاً عن رجال الأعمال أو الجامعات أو المجتمع المدني أو الأندية والروابط. لكنها الممثل الرسمي لدولة فلسطين لدى الدولة المضيفة، ومن الطبيعي أن تكون المرجعية الأساسية في القضايا ذات الطابع الرسمي والعلاقات الثنائية.

ولهذا فإن إعادة الاعتبار للسفارة لا تقع على عاتق السفيرة وحدها. إنها مسؤولية كل المؤسسات الفلسطينية: الوزارات والهيئات والجامعات والمؤسسات الاقتصادية والمجتمعية، وكل فلسطيني يعمل في المجال العام. عندما تفتح مؤسسة فلسطينية قناة مباشرة مع جهة إماراتية في ملف يرتبط بالعلاقات بين البلدين من دون علم السفارة أو تنسيقها، فإنها لا تضيف بالضرورة قوة إلى فلسطين؛ وقد تضيف، من حيث لا تقصد، طبقة جديدة من التشوش.

نحن بحاجة إلى أن نفهم أن المرجعية لا تعني الاحتكار، والتنسيق لا يعني الوصاية، وتوحيد الجهود لا يعني إلغاء التنوع. بل على العكس؛ السفارة القوية هي التي تجعل من كل جامعة جسراً، ومن كل رجل أعمال سفيراً غير رسمي لفلسطين، ومن كل مؤسسة ثقافية مساحة للحضور الفلسطيني، ومن كل فرد من أبناء الجالية شريكاً في بناء صورة بلده.

وهذا ما يجعل دعم تجربة عبير الرمحي مهماً. ليس لأنها تحتاج إلى مديح، وإنما لأن أي محاولة لإعادة بناء مؤسسة وطنية في الخارج تحتاج إلى بيئة وطنية تساعدها، لا إلى أدوار متوازية تنافسها.

بعد نحو عشرة أشهر، لا تزال هذه المرحلة تأسيسية، ولا تزال ملفات ومشاريع عديدة قيد التنفيذ. وهذا طبيعي. فالمؤسسات لا تُبنى في موسم، والدبلوماسية الحقيقية تُقاس بما تتركه من بنية مستدامة، لا بما تنتجه من ضجيج مؤقت.

لكن ما تحقق حتى الآن يقول إن هناك اتجاهاً واضحاً: بيت داخلي يعاد ترتيبه، خدمات قنصلية تتطور، جالية يعاد وصلها بالسفارة، حضور إعلامي يستعاد، علاقات إماراتية تُعمّق، شبكة دبلوماسية تتوسع، وصورة فلسطينية أكثر حضوراً في المجال العام.

لهذا أقول للسفيرة عبير الرمحي، التي عرفتها قبل أن تصل إلى منصبها الحالي، إن ما تقومين به يستحق الدعم. ليس لأن الطريق اكتمل، بل لأنك اخترت الطريق الأصعب والأصح: أن تبدئي من المؤسسة.

ولعل مسؤوليتنا جميعاً الآن ألا نترك السفارة تخوض هذه المعركة وحدها. فالنجاح ليس أن تصبح السفيرة أكثر حضوراً، بل أن تصبح سفارة فلسطين أكثر حضوراً. والهدف ليس أن تتحدث السفارة باسم الجميع، بل أن تساعد الجميع على أن يتحدثوا بصوت فلسطيني أكثر انسجاماً.

وفي زمن تتعدد فيه المنصات والأصوات والعناوين، تبقى الدولة بحاجة إلى عنوان واضح. عبير الرمحي لا تبني سفارة باسمها؛ إنها تحاول أن تعيد للسفارة اسمها الحقيقي: سفارة دولة فلسطين. وهذه مهمة تستحق أن نساندها جميعاً.

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية