آراء

الديمقراطية وتجديد الشرعيات: نحو حماية القرار الوطني الفلسطيني

15 مشاهدة
الديمقراطية وتجديد الشرعيات: نحو حماية القرار الوطني الفلسطيني

الكاتب : وليد ظاهر 

في ظل الظروف السياسية والوطنية المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حماية المسار الديمقراطي، وتعزيز الثقة بالمؤسسات الوطنية، والعمل على تجديد شرعياتها عبر آليات واضحة وشفافة تضمن أوسع مشاركة وأوسع تمثيل ممكن.

فالمرحلة الراهنة لا تحتمل المزيد من التشرذم والانقسام، ولا تسمح باستنزاف الجهد الوطني في الخلافات الداخلية، وإنما تستوجب الارتقاء بالخلاف السياسي إلى مستوى المسؤولية الوطنية، وتحويل الاختلاف من عامل انقسام إلى عنصر قوة داخل إطار وطني جامع.

ومن هذا المنطلق، فإن ما يثار من مواقف وأصوات تسعى إلى التشكيك في مسار العملية الديمقراطية المتعلقة بانتخاب واختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، أو إلى خلق حالة من الإرباك حولها، يستدعي التأكيد على أن الخلاف السياسي والنقد والاعتراض أمور طبيعية في الحياة الوطنية، بل تشكل جزءًا أصيلًا من أي ممارسة ديمقراطية سليمة.

غير أن الديمقراطية لا يمكن أن تتحول إلى أداة لتعطيل الاستحقاقات، كما أن الاختلاف لا ينبغي أن يصبح مدخلًا لإضعاف المؤسسات أو تقويض الثقة بها. فالطريق الطبيعي لمعالجة أي ملاحظة أو اعتراض أو مطلب مشروع يمر عبر المؤسسات والأطر الوطنية والتنظيمية، ومن خلال الحوار المسؤول والمشاركة الفاعلة والاحتكام إلى القواعد والآليات المتوافق عليها.

إن المؤسسات لا تُبنى بالشائعات، والشرعيات لا تتجدد بالتشكيك، والديمقراطية لا تُحمى بالوقوف على هامشها، وإنما بالمشاركة فيها، والتأثير في مساراتها، وتصويبها من داخل أطرها.

ولا يعني الدفاع عن العملية الديمقراطية تجاهل الأخطاء أو منع النقد، بل على العكس تمامًا؛ إذ إن الديمقراطية الحقيقية تقتضي فتح المجال أمام الرأي الآخر، والاستماع إلى الملاحظات، ومعالجة مكامن الخلل، وضمان النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص.

لكن الفارق كبير بين النقد الذي يستهدف التصحيح والتطوير، وبين خطاب يؤدي، بقصد أو من دون قصد، إلى تعطيل الاستحقاقات وإرباك الرأي العام وزيادة حالة عدم الثقة بالمؤسسات الوطنية.

الوحدة الوطنية وتجديد الشرعيات ..

إن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما هي ضرورة سياسية وشرط أساس لحماية المشروع الوطني الفلسطيني. ولا يمكن بناء مؤسسات وطنية قوية أو استعادة الثقة بالعمل السياسي في ظل استمرار الانقسام أو تكريس واقع التشرذم.

ومن هنا، فإن تجديد الشرعيات لا ينبغي أن يبقى موضوعًا مؤجلًا، بل هو استحقاق وطني ينبغي التعامل معه بجدية ومسؤولية، مع توفير الظروف والآليات التي تضمن نزاهته وشرعيته وتمثيله الحقيقي لمختلف أبناء شعبنا وقواه وفعالياته الوطنية.

ولا ينبغي النظر إلى الانتخابات وتجديد المؤسسات باعتبارهما غاية في حد ذاتهما، وإنما باعتبارهما وسيلة لإعادة بناء الثقة، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتجديد الحياة السياسية، وتعزيز الشراكة الوطنية في صناعة القرار.

وكلما كانت العملية أكثر وضوحًا وشفافية وشمولًا، ازدادت قدرتها على إنتاج شرعية سياسية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات، والتعبير عن الإرادة الوطنية، وتعزيز مكانة المؤسسات الفلسطينية.

منظمة التحرير وتجديد الإطار الوطني الجامع ..

وفي هذا السياق، تكتسب مسألة تجديد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أهمية استثنائية. فالمنظمة، بما تمثله من تاريخ سياسي ونضالي، وبما راكمته من شرعية وطنية على امتداد عقود، تشكل الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتبقى قضية صون مكانتها وتطوير مؤسساتها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها وتجديد أطرها مسؤولية وطنية تتجاوز الاعتبارات الفئوية والتنظيمية الضيقة.

لقد مثلت منظمة التحرير، عبر تاريخها، الإطار الذي عبّر عن الشخصية السياسية للشعب الفلسطيني وحافظ على استقلالية قراره الوطني، وحمل القضية الفلسطينية إلى مختلف المحافل الإقليمية والدولية.

ولذلك، فإن النقاش حول مستقبل المنظمة ومؤسساتها ينبغي ألا يتحول إلى نقاش حول وجودها أو شرعيتها، بقدر ما يجب أن يكون نقاشًا حول كيفية تعزيز هذه الشرعية وتوسيع تمثيلها وتجديد مؤسساتها، بما ينسجم مع التحولات التي شهدها المجتمع الفلسطيني، ويستجيب للتحديات السياسية والوطنية الراهنة.

إن المطلوب في هذه المرحلة هو منظمة تحرير قوية، ومؤسسات وطنية فاعلة، وشرعيات متجددة، وشراكة سياسية حقيقية، وقرار وطني فلسطيني مستقل؛ بما يعزز قدرة شعبنا على مواجهة الاستيطان والتهويد والعدوان والتهجير، ويحافظ على حقوقه الوطنية الثابتة، ويصون وحدته وتمثيله الوطني.

ومن هنا، فإن حماية منظمة التحرير وتعزيز مؤسساتها وتجديد شرعياتها ليست قضية إجرائية أو تنظيمية فحسب، وإنما هي جزء من حماية المشروع الوطني الفلسطيني وصون القرار الوطني المستقل.

الاختلاف السياسي والمسؤولية الوطنية ..

إن المرحلة الراهنة تفرض على القوى والفصائل والشخصيات الوطنية مسؤولية مضاعفة في إدارة الاختلاف.

فالوحدة الوطنية لا تعني غياب التباين في الآراء، كما أن وحدة الموقف لا تعني إلغاء النقد، وإنما تعني القدرة على إدارة الخلاف ضمن إطار يحفظ المصالح الوطنية العليا، ويمنع تحول التباينات السياسية والتنظيمية إلى عوامل هدم للمؤسسات أو إضعاف للقرار الوطني.

وفي هذا الإطار، فإن الأطر والمؤسسات الشرعية هي المكان الطبيعي لممارسة النقد والاختلاف وتقديم الاقتراحات وتصويب المسارات. أما تحويل الخلافات الداخلية إلى حملات تشويه، أو توظيف المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي للنيل من المؤسسات الوطنية أو التحريض عليها، فلن يسهم في بناء حياة سياسية أكثر ديمقراطية، بل قد يؤدي إلى تعميق الانقسام وإضعاف الجبهة الوطنية في وقت يحتاج فيه شعبنا إلى أكبر قدر ممكن من التماسك ووحدة الموقف.

إن المطلوب اليوم ليس إسكات الأصوات الناقدة، بل تنظيم الاختلاف داخل أطره الطبيعية، وليس منع الاعتراض، بل تحويله إلى مساهمة إيجابية في عملية الإصلاح والتجديد.

فالمؤسسات القوية هي التي تستمع إلى النقد، وتصحح أخطاءها، وتفتح أبواب المشاركة، وتمنح أصحاب الرأي المختلف مساحة للتعبير والعمل وفق قواعد واضحة.

لا أطر موازية على حساب الوحدة الوطنية ..

وفي الوقت ذاته، فإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي أن نعمل جميعًا على جمع الصف الفلسطيني، وتطوير مؤسساته من الداخل، وتجديد شرعياته، وعدم السماح بإنشاء أطر موازية من شأنها إضعاف وحدته أو المساس بقراره الوطني المستقل.

إن معالجة أوجه القصور لا تكون بهدم الإطار الوطني أو تجاوزه، وإنما بإصلاحه وتطويره وتوسيع قاعدة المشاركة فيه، بحيث يصبح أكثر قدرة على استيعاب مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وأكثر تعبيرًا عن تطلعاته وحقوقه الوطنية.

فالحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الأطر المتنافسة، وإنما إلى إطار وطني جامع قادر على احتضان الاختلاف، وإدارة التعدد، وصياغة القرار الوطني على قاعدة الشراكة والمسؤولية.

استحقاق وطني لا يحتمل التأجيل

إن استكمال العملية الانتخابية وتجديد المؤسسات الوطنية يجب أن يُنظر إليه باعتباره استحقاقًا وطنيًا، لا ميدانًا للمناكفات السياسية أو التنظيمية.

كما أن أي خلاف حول الآليات أو التفاصيل ينبغي أن يتحول إلى فرصة للحوار والتطوير، لا إلى سبب لتعطيل المسار بأكمله.

إن تجديد الشرعيات يمثل فرصة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتعزيز المشاركة السياسية، وتوسيع قاعدة التمثيل، وإعادة الاعتبار لفكرة الشراكة الوطنية في صناعة القرار.

وفي نهاية المطاف، فإن قوة المشروع الوطني الفلسطيني لا تُقاس فقط بقدرة مؤسساته على الاستمرار، وإنما بقدرتها على التجدد والتكيف واستعادة ثقة شعبها.

ومنظمة التحرير الفلسطينية، بما تمثله من إطار وطني جامع، تحتاج إلى تجديد مؤسساتها وتعزيز حضورها وتوسيع المشاركة فيها، بما يحافظ على دورها الوطني ويمنحها قدرة أكبر على تمثيل الفلسطينيين والدفاع عن حقوقهم الوطنية.

إن الديمقراطية تُحمى بالمشاركة، والشرعيات تُجدد بالانتخاب، والمؤسسات تُصان بالثقة والعمل المسؤول. ومن هنا، فإن استكمال مسار تجديد المؤسسات الوطنية لا ينبغي أن يكون موضع تأجيل أو تعطيل، بل فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على أسس أكثر مشاركة وتمثيلًا وشفافية.

وفي لحظة وطنية بالغة الحساسية، تبقى الأولوية هي حماية القرار الوطني، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وتحصين مؤسساته، وفتح الطريق أمام تجديد الشرعيات بما يخدم المشروع الوطني وحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

فالمطلوب ليس ديمقراطية شكلية، ولا مؤسسات ثابتة في الزمن، وإنما حياة وطنية قادرة على التجدد، ومؤسسات تستمد قوتها من شعبها، وشرعيات تتجدد بالمشاركة، وشراكة سياسية حقيقية، وقرار وطني مستقل يحظى بأوسع قدر ممكن من التوافق والتمثيل.
*رئيس ملتقى الجالية الفلسطينية في الدنمارك