اسرى

سلسلة حكايات عن السجن والحرب ..

4 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

 الكاتب : كميل أبو حنيش
الحلقة الثامنة: كيف كنا نتابع مجريات الحرب
استيقظنا صبيحةَ يوم السابع من أكتوبر على خبرٍ مزلزلٍ وعاصف. ولم يسبق أن مرَّ في تاريخ السجون خبرٌ شبيهٌ به، وبوقعه وتأثيراته. تلك المعركة التي أُطلق عليها «طوفان الأقصى»، وما نجم عنها من حرب إبادة مدمرة، سوف تقلب العالم بتداعياتها، وسوف تؤدي إلى حروب أخرى. أما بالنسبة للسجون، فقد كانت لها تداعياتها الخاصة والاستثنائية، من حيث مستوى القمع والتنكيل الذي تعرضنا له، ولا يزال يتعرض له مَن تبقّى من الأسرى، وكذلك من حيث صفقات التبادل وأعداد الأسرى الذين تحرروا.
وكانت من جملة الإجراءات التي اتخذتها إدارة السجون أن قطعت محطات البث الفضائي، وصادرت أجهزة التلفاز والراديو، ومنعت إدخال الصحف، وأوقفت زيارات الأهالي، والبوسطات بين السجون، وأغلقت الغرف والأقسام والسجون، ومنعت أي تواصل بين الأسرى فيما بينهم. وباختصار، عزلت الأسرى عزلة تامة عمّا يجري خلف أسوار السجون؛ فكيف تسنّى للأسرى متابعة الأخبار؟
في الأشهر الأولى للحرب، كنا نعتمد على أجهزة المذياع «الترانزستور» التي استطعنا تخبئتها وأفلتت من التفتيشات، حيث كنا نتابع الأخبار أولًا بأول. وقد واجهتنا إشكاليات جمّة: الاقتصاد في الاستماع إلى نشرات الأخبار، وشحن البطاريات (شرحناها في حلقةٍ سابقة)، ومخابئ هذه الأجهزة، ومراقبة حركة الإدارة التي كانت تفرض أشد العقوبات على الغرفة التي يُعثر بداخلها على راديو.
ولكن مع الوقت تناقصت أعداد هذه الأجهزة. في البداية، كانت في كل غرفة جهاز راديو، وربما أكثر من جهاز، وبفعل المداهمات صادرت الإدارة معظم هذه الأجهزة أثناء المداهمات والتفتيش، حتى بات في كل قسم جهاز واحد يجري تعميم الأخبار من خلال هذا الراديو اليتيم. أما كيفية تعميم الأخبار، فكانت تجري على النحو التالي:
في النهار، كان يجري تعميم الأخبار من خلال نشرة مكتوبة، يجري تعميمها على الغرف بطريقة سرية من خلال العمال  الذين يتولون توزيع الطعام. وكانت تُكتب هذه النشرات، قبل مصادرة الأقلام ومنعها، على كرتون معجون الأسنان أو أوراق يجري استعمالها عدة مرات. وبعد نفاد الأوراق والأقلام، أصبحنا نستخدم أطباق الطعام البلاستيكية التي تُستخدم لمرة واحدة، وأصبحت هي الأطباق الرئيسية لدينا، نستخدمها عشرات المرات. وكنا نستخدمها لكتابة الأخبار من خلال برغي، بحيث تُكتب الأخبار عليها، ويجري توزيع الطبق على الغرف.
أما الأخبار السريعة والمكثفة، فكانت تُنقل شفهيًا من خلال عمال الطعام في ساعات النهار. وفي ساعات المساء، كنا نراقب حركة الشرطة في القسم، ومن ثم يقف أحد الشباب على الباب ويقوم ببث نشرة الأخبار بصوته، لتسمع بقية الغرف. وكان يجري بث نشرة أخبار أو أكثر في المساء. وعندما اكتشفت الإدارة، من خلال تنصّت الشرطة على الأصوات التي تبث الأخبار، كانت تجري مداهمة الغرفة ومصادرة الراديو. وللتضليل، كنا نضطر إلى بث هذه النشرات من خلال الشبابيك الخلفية للغرف، وليس من خلال الأبواب.
أما الوسيلة الثانية، فكانت الهاتف. كنا نتابع أخبار الحرب من خلال الهواتف التي باتت هي أيضًا تتناقص بفعل المداهمات والتفتيشات، حيث تمكنت الإدارة من الإمساك بالغالبية العظمى من هذه الهواتف في كافة السجون، ولم نعد نستخدمها؛ لأنه لم يتبقَّ منها أي شيء. أما القلة التي تبقت، فكانت مخبأة في أماكن سرية ومعقدة، علاوةً على أنه لم يتبقَّ بحوزتنا أي وسيلة لشحن البطاريات. ولا ننسى انقطاع الكهرباء عن الغرف بصورة دائمة، باستثناء الساعة المخصصة في المساء.
والوسيلة الثالثة كانت من خلال المحامي، سواء المحامي الذي يزور بعض الأسرى، أو المحامي الذي يتحدث مع الأسير لبضع دقائق من خلال الفيديوكونفرنس، بعد أن حظرت الإدارة المحاكمات الوجاهية.
لكن هذه الوسيلة لم تعد فعالة في إيصال الأخبار، بسبب تضييق الخناق على المحامين، ومنعهم من تزويد أي أسير بأي أخبار عن الحرب، بحيث يكون السجانون ملاصقين للأسير أو للمحامي أثناء الزيارة وأثناء المحكمة. وما كان يتسرّب من أخبار من خلال المحامين، كان يعود بها الأسرى إلى أقسامهم، بحيث يجري تداولها على نطاق واسع. لقد كنا ننتظر بشغف وبفارغ الصبر عودة الأسرى من زيارة المحامي حتى نعرف ما يجري من أخبار، وسرعان ما كانت تنتشر في الأقسام كالنار في الهشيم.
ومن المؤسف أن عددًا من المحامين كانوا يتحفظون في نقل الأخبار، إما بسبب الخوف من الإدارة، أو نتيجة لعدم متابعة بعضهم للأخبار، وكل ما كان يهم هؤلاء المحامين هو ما يتقاضونه من أجر من أهالي الأسرى، لنقل القليل من الأخبار العائلية، والاطمئنان على أوضاع الأسير الذي كانت تتم زيارته.
أما الوسيلة الرابعة في معرفتنا للأخبار، فكانت تعتمد على الأسرى الجدد الذين أخذوا يتدفقون بكثرة على السجون؛ فكنا نلملم الأخبارمن هنا وهناك. وأذكر كيف كنا نجلس مع الأسير الجديد لساعات، وربما أيام، ونحن نسأل عن كل صغيرة وكبيرة. وكنا نضطر في بعض الحالات إلى استهلاك أخبار قديمة منذ ثلاثة أشهر وأكثر.
كنا نعاني كثيرًا في متابعة الأخبار، وإخضاعها للتحليل وتناقلها. في البداية، كان في كل غرفة راديو. وبعدها صار في كل قسم راديو واحد. وبعدها صار راديو واحد في السجن. ومع الوقت، لم يتبقَّ أي راديو في السجن. وكنا نتابع أحيانًا أخبارًا تأتي من راديو موجود في أحد السجون، وتصلنا الأخبار من خلال الأسرى الذين تجري عملية نقلهم بين السجون.
أجل، كنا نتابع أخبار ما يجري خارج الأسوار من خلال هذه الوسائل البسيطة. وكنا نشعر بالألم الكبير بسبب المأساة والمذابح التي كان يجري تنفيذها ضد أهلنا في قطاع غزة. وكنا نتابع أخبار صفقة التبادل بشغف كبير. أي خبر من شأنه أن يقرب موعد حريتنا، كنا نلاحقه بشغف ومتعة. وكانت إدارة السجن تمنع تناقل الأخبار، وأي أسير تجده ينادي ويبث الأخبار، تسارع الإدارة إلى مداهمة غرفته والاعتداء على من فيها ومعاقبتهم جميعًا.
ومع ذلك، ورغم شح الأخبار والمعلومات، كنا نتابع أي خبر، نتداوله، ونحلله، ونشبعه نقاشًا. وكانت أيام الجمعة والسبت هي الأيام التي لا يتم فيها تبادل أي أخبار؛ لأن زيارات المحامين والمحاكم لا تتم في هذين اليومين، لهذا كنا ننتظر قدوم يوم الأحد بفارغ الصبر. أما فترة الأعياد اليهودية، وخاصة أعياد العرش والفصح، وهي أعياد تستمر عدة أيام، فلم تكن تصلنا أي أخبار خلالها. وكنا ننتظر أيضًا بفارغ الصبر نهاية هذه الأعياد.
وهناك وسيلة أخرى لتلقي الأخبار، وذلك من خلال الإدارة، التي كانت محض أكاذيب وإشاعات تتعمد الإدارة بثها من خلال ضباط الاستخبارات أو شرطة السجون. وهذه الأخبار لم نكن نتداولها، وكنا نتعامل معها بشكوك كبيرة.
لقد حوّلت مصلحة السجون مسألة تسريب الأخبار أو تلقيها، أو تناقلها، إلى جريمة تجري معاقبة الأسرى بسببها؛ ففي سجن النقب، على سبيل المثال، ضُرب الأسير ثائر أبو عصب بوحشية حتى الموت؛ لأنه سأل أحد السجانين في الأسابيع الأولى للحرب عن آخر الأخبار في الخارج.