محليات

أحلام الحياة العادية تراود فتيات في دار أيتام لبنانية قرب منطقة تحتلها إسرائيل

78 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

تبنين (لبنان)-واثق نيوز-رويترز-في عمق جنوب لبنان الذي مزقته الحرب، وعلى بعد بضع مئات الأمتار فقط من مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية، تحاول عناية سلطان جاهدة أن تعيش حياة طبيعية بالنسبة لفتاة في الثالثة عشرة من عمرها.

تصنع أساور من الخرز لأختها غير الشقيقة ملاك البالغة من العمر أربع سنوات، وتحلم بدراسة الطب وتقضي وقتها مع الفتيات اللواتي يعيش معهن في دار للأيتام في بلدة تبنين الجنوبية، وتطلق عليهن بمحبة وصف صديقاتها المقربات.

تأسست دار الأيتام تلك في عام 1978 خلال الاحتلال العسكري الإسرائيلي السابق لجنوب لبنان، وتوفر ملاذا لفتيات فقدن أحد الوالدين أو كليهما أو بلغ بأسرهن الفقر لدرجة عدم القدرة على رعايتهن.

“ما ببكي قدام أختي” ..

قتل والد عناية وملاك الذي كان يعمل مسعفا في غارة إسرائيلية على بلدتهم في الجنوب في مارس/ آذار الماضي، بعد أقل من أسبوعين من اندلاع الحرب من جديد بين إسرائيل وجماعة حزب الله بالتزامن مع الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

تعيش الفتاتان حاليا في دار أيتام تبنين، التي تستضيف نحو 40 فتاة أخرى يحاولن إيجاد واحة من الدفء والحياة الطبيعية قرب ما يسمى “الخط الأصفر” الذي يحدد منطقة احتلال إسرائيلي في جنوب لبنان.

خلال النهار، تذهب الفتيات إلى المدرسة في تبنين وتوفر دار الأيتام لهن الزي المدرسي والحقائب ووجبات الغداء.

في الليل، تضع عناية أختها ملاك في سريرها وتغطيها. وتقول “أوقات هيك وقت يطلع ضرب (قصف) تعبطني (تعانقني) وبتقلي خذي.. ضربوا بابا” في إشارة لقلق الصغيرة من أصوات الغارات والهجمات.

وأضافت “هيك بحس حالي بدي أبكي، ببكي شوي.. بس إنه بفش خلقي شوي. ما ببكي قدام إختي كرما لإنه ملاك بتصير تبكي وتقلي أنا كمان بدي بابا، إنت ليش عم تبكي وهيك. فأنا بسكت كرمالها”.

وتقول عناية إن ملاك تريد أن تصبح إطفائية أو مسعفة لتسير على خطى والدها.

“بكل مطرح في إلي ذكرى” ..

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن أكثر من أربعة آلاف قتلوا في غارات إسرائيلية في البلاد منذ مارس/ آذار الماضي، بينهم أكثر من 700 من المسعفين والأطفال والنساء. ولا يفرق هذا الإحصاء بين القتلى المدنيين والمسلحين.

وأعلنت إسرائيل من جانب واحد السيطرة على ما تسميه “منطقة أمنية” في جنوب لبنان لحماية السكان في مناطقها الجنوبية من هجمات المسلحين عبر الحدود. ونفى الجيش الإسرائيلي استهدافه للبنية التحتية المدنية عمدا، لكنه اتهم حزب الله بنشر معدات عسكرية في المناطق المدنية، وهو ما تنفيه الجماعة.

ورغم انخفاض حدة الأعمال القتالية منذ وقف إطلاق النار في يونيو/ حزيران الماضي، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل مساحات واسعة من الجنوب، حيث سوت عشرات القرى والبلدات بالأرض. وألحقت تلك الحملة أضرارا بجسور ومستشفيات ومدارس وغيرها من البنى التحتية العامة.

يصعب الهروب من واقع الحرب في دار الأيتام، التي تضررت جراء غارة إسرائيلية على مبنى مجاور خلال حرب سابقة بين إسرائيل وحزب الله في 2024.

تم وقتها إجلاء الفتيات بأمان. ومنذ ذلك الحين، جمعت دار الأيتام تبرعات بشق الأنفس لإصلاح طابق واحد فقط، وحولت المناطق المشتركة إلى غرف نوم لأن الطابق العلوي تعرض لأضرار بالغة.

أما الطابق السفلي، الذي كان مسرحا تغني فيه الفتيات في جوقة أو يستقبلن الضيوف، فلا يزال ركاما.

وقالت شيرين سعد (19 عاما) والتي قضت معظم حياتها في دار الأيتام “شي كتير بيزعل الصراحة… مرق كل ذكرياتي بلحظة… فكثير شي بيحزن لإنه كل لحظة بكل غرفة بكل مطرح في إلي ذكرى”.

تدرس شيرين التصميم الداخلي في جامعة محلية وتأمل في مواصلة دراستها العليا في إيطاليا، وهي خطط تقول إنها يمكن أن تتعثر بسهولة بسبب الصراع.

وتابعت قائلة “في أشياء.. ممكن أنا أكون مخططتها لمستقبلي يمكن ما تزبط يعني… فأنا ما بدي أوعد حالي كثير إنه ما تصادف معي الأمور بشكل متل ما أنا بدي”.

“الحياة بدها تمشي” ..

قالت فاطمة الجفال (30 عاما) المشرفة في دار الأيتام لرويترز إن الفتيات تم إجلاؤهن مرة أخرى في حرب هذا العام، وعدن ليجدن القوات الإسرائيلية متمركزة على بعد أقل من كيلومتر واحد، وإن أيام حياتهن يعكرها دوي الغارات الجوية الإسرائيلية وعمليات هدم المنازل.

لكنها أضافت أن الكثير من ذلك بدا وكأنه طبيعي بعد مرور أشهر على ذات الحال.

وأضافت “يعني أخذوا فكرة إنه الحياة بدها تمشي… الحياة بدها تقطع، ما فينا نوقف حياتنا، ما فينا نقعد ونتكتف وناطرين، حياتنا بدها تمشي، ونحنا أقوى من هيك بكثير، نحنا أقوى من إنه نقعد ننطر”.

تقع بلدتها رشاف داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل، ودار الأيتام هي منزلها أيضا مثل الفتيات.

وقالت فاطمة “شو ممكن الصعوبات اللي يواجهوها؟ إنه إذا هني ما كانوا هون؟ هيدا مكان أهميته كتير كبيرة، بيحافظ على البنات بيأمن مستقبلهن لقدام حياتهن الاجتماعية”.

وقال علي سعد مدير دار الأيتام إن المؤسسة نفسها تعاني من صعوبات جمة.

وأدى انهيار مالي شهده لبنان في 2019 إلى تضاؤل التمويل الحكومي، وستتوقف التبرعات المنتظمة من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان عندما ينتهي أمد تفويضها في وقت لاحق من هذا العام.

أما خطر اندلاع المزيد من القتال فيلوح في الأفق أيضا.

وقال سعد “بدنا نقدر نرمم الميتم، هل إذا رممناه ولقينا مين يساعدنا راح يرجع يتضرر مرة ثانية؟ حل الحرب خلصت؟”