رام الله-واثق نيوز-اكد مركز "شمس" الحقوقي، أن اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لمخيم قلنديا امس الاثنين، بما رافقه من ترويع ممنهج للمدنيين، لا يمكن اعتباره حادثة أمنية عابرة، بل يمثل انتهاكاً جسيماً ومركباً لقواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة في بيئة شديدة الهشاشة كالمخيم، حيث الكثافة السكانية العالية وضيق المساحات وترابط الحياة اليومية، الأمر الذي يجعل أي تدخل عسكري فيه مضاعف الأثر وخطير النتائج.
وفي هذا السياق، شدد مركز "شمس" في تقرير له اليوم الثلاثاء، على أن الأطفال كانوا ولا يزالون الأكثر تضرراً، وهذه الاقتحامات تجعلهم الأكثر تأثراً بالعنف المفاجئ، إذ تتحول أصوات الرصاص والقنابل الصوتية، ومشاهد اقتحام المنازل واعتقال أفراد من العائلة، إلى تجارب صادمة تعيد تشكيل وعيهم بالأمان والخوف، وتقوض إحساسهم الأساس بأن البيت هو مكان الحماية، وهو ما يشكل انتهاكاً لحقهم في النمو السليم والحماية من العنف النفسي والجسدي، كما تؤكد عليه قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل .
واضاف : كما أن النساء أيضاً يواجهن خلال هذه الاقتحامات انتهاكاً مضاعفاً، حيث يؤدي اقتحام المنازل وتفتيشها وما قد يرافقه من صراخ أو إساءة إلى المساس المباشر بكرامتهن وخصوصيتهن، خاصة في سياق اجتماعي يُنظر فيه إلى حرمة البيت كامتداد لكرامة ساكنيه، الأمر الذي يحول هذا الانتهاك من مجرد إجراء ميداني إلى اعتداء على الحيز الخاص والاعتبارات الاجتماعية والثقافية للمجتمع. وفي الإطار ذاته، يؤكد مركز "شمس" أن البيوت خلال هذه الاقتحامات تتحول إلى فضاءات مستباحة، تكسر أبوابها وتخرب محتوياتها ويقلب أثاثها، وفي بعض الحالات تلحق بها أضرار مباشرة، بما يتجاوز البعد المادي ليحمل دلالة أخطر، تتمثل في تقويض فكرة أن الملكية الخاصة تشكل ملاذًا آمنًا، وهو ما يحول المنزل من مساحة حماية إلى نقطة انكشاف وتهديد دائم، ويعمق شعور السكان بانعدام الأمان والاستقرار.
وشدد مركز "شمس" على أن من أخطر التداعيات التي ترافق اقتحام جيش الاحتلال لمخيم قلنديا هو شلل الحياة اليومية بشكل شبه كامل، حيث لا يقتصر أثر الاقتحام على اللحظة الأمنية ذاتها، بل يمتد ليطال كل تفاصيل الحياة المدنية للسكان، فبمجرد دخول القوات وانتشارها في الأزقة وإغلاق المداخل، تتحول الحركة إلى حالة من الجمود القسري، فلا يستطيع المرضى الوصول إلى المستشفيات أو تلقي العلاج في الوقت المناسب، وهو ما قد يعرض حياتهم لخطر حقيقي، خاصة في الحالات الطارئة. كما يحرم الطلبة من الوصول إلى مدارسهم وجامعاتهم، ما ينعكس سلباً على حقهم في التعليم واستقرارهم الأكاديمي، في حين يمنع الموظفون والعمال من الوصول إلى أماكن عملهم، الأمر الذي يهدد مصادر رزقهم ويزيد من الأعباء الاقتصادية على الأسر.
كما شدد المركز على أن المخيم في هذه الحالة يتحول فعلياً إلى مساحة مغلقة ومعزولة، ليس بقرار قانوني معلن، بل بفعل واقع عسكري مفروض بالقوة، ما يشكل انتهاكاً واضحاً لحرية الحركة المكفولة بموجب القانون الدولي، ويقوض جملة من الحقوق الأساسية المرتبطة بها، بما في ذلك الحق في الصحة والتعليم والعمل. ويرى المركز أن هذا الشلل القسري لا يمكن اعتباره أثراً جانبياً عارضاً، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات ميدانية تفتقر إلى مراعاة مبدأي الضرورة والتناسب، ويقترب في مضمونه من فرض عقوبة جماعية على سكان مدنيين، وهو ما تحظره بشكل صريح قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة.
واكد "شمس" أن ما يجري خلال اقتحام جيش الاحتلال لمخيم قلنديا يشكل انتهاكاً واضحاً ومركباً لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، إذ تنص المادة (27) على أن الأشخاص المحميين يتمتعون في جميع الأوقات بالحق في احترام أشخاصهم وكرامتهم وحقوقهم العائلية، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع ما يرافق الاقتحامات من ترويع واقتحام للمنازل وإهانات تمس الكرامة الإنسانية. كما أن المادة (32) تحظر اتخاذ أي تدابير تسبب معاناة بدنية أو معاملة قاسية، الأمر الذي يجعل من استخدام القوة المفرطة والترويع داخل مناطق مدنية مكتظة سلوكًا يقع ضمن نطاق الأفعال المحظورة. وفي السياق ذاته، تشدد المادة (33) على حظر العقوبات الجماعية، وهو ما ينطبق على حالات إغلاق المخيم وتعطيل الحياة اليومية لسكانه بسبب استهداف أفراد محددين، بما يحول الإجراء إلى عقاب جماعي يطال مجتمعًا بأكمله. ويضيف المركز الحقوقي أن المادة (53) تحظر تدمير الممتلكات الخاصة إلا في حالات الضرورة العسكرية المطلقة، وهو ما يجعل من عمليات التخريب الواسع أو غير المبررة للمنازل والممتلكات انتهاكًا صريحًا لهذه القاعدة. أما فيما يتعلق بالاعتقالات، فإن المادة (49) تحظر النقل القسري، إلى جانب نصوص أخرى تفرض ضمانات تتعلق بالإجراءات القانونية الواجبة، وهي ضمانات غالبًا ما يتم تقويضها في سياق هذه الاقتحامات، بما يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام القوة القائمة بالاحتلال لالتزاماتها القانونية تجاه السكان المدنيين.
وفي هذا السياق، ادان مركز "شمس" بشدة ممارسات جيش الاحتلال التي طالت البيوت والممتلكات، واكد أن تدمير الأبواب، والعبث بمحتويات المنازل، وتخريب الممتلكات الخاصة، لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة، ما لم يكن هناك ضرورة عسكرية مطلقة ومباشرة، وهو ما تنص عليه المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تدمير ممتلكات الأفراد إلا في حالات الضرورة الحربية القصوى. كما أن هذه الأفعال تتعارض مع المادة (27) من ذات الاتفاقية، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال باحترام كرامة السكان المدنيين وحقوقهم العائلية.
وشدد مركز "شمس" على أن اقتحام المنازل بهذا الشكل، دون مراعاة لحرمتها، يمثل مساساً خطيراً بمبدأ أساس في القانون الدولي الإنساني، وهو مبدأ حماية الحياة الخاصة. فالمنزل ليس مجرد بناء مادي، بل هو امتداد للأمان الشخصي والعائلي، وانتهاكه يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، خاصة عندما يتم ذلك أمام الأطفال.
كما يطالب المركز ، بوقف فوري لسياسة الاقتحامات ، التي أصبحت نمطاً متكرراً يستخدم لإحداث أكبر قدر ممكن من الصدمة والخوف. مؤكدا أن اختيار توقيت الاقتحام ليس مسألة عسكرية محايدة.
وفي ضوء ذلك، اكد مركز "شمس" على ضرورة توفير الحماية الدولية الفعلية للمدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في المناطق المكتظة مثل المخيمات، التي تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية في ظل تكرار هذه الانتهاكات. ويرى المركز أن الاكتفاء بالمواقف السياسية أو بيانات القلق لم يعد كافيًا، في ظل استمرار الانتهاكات دون رادع.
وطالب المركز ، الأمم المتحدة، وخاصة مجلس حقوق الإنسان، بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في هذه الانتهاكات، بما يضمن توثيقها بشكل مهني، وتحديد المسؤوليات القانونية، تمهيدًا لمساءلة مرتكبيها. كما دعا إلى تفعيل آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى الإجراءات الخاصة، ولجان التحقيق، والمحاكم الدولية المختصة.
واوصى مركز "شمس" الاتحاد الأوروبي بضرورة الانتقال من مرحلة الخطاب إلى الفعل، من خلال ربط علاقاته السياسية والاقتصادية مع إسرائيل بمدى التزامها الفعلي بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، بما في ذلك مراجعة اتفاقيات الشراكة، ووقف أي امتيازات تُمنح دون التحقق من احترام المعايير الحقوقية.
ودعا المركز ، المجتمع الدولي، بكافة مكوناته دولاً، ومنظمات، وهيئات إلى تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، والانتقال من سياسة الإدانة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة، مثل فرض تدابير ضغط دبلوماسية واقتصادية، لضمان وقف هذه الانتهاكات ومنع تكرارها.
وأخيراً، اكد "شمس" أن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة لا يمثل فقط إخفاقاً في حماية حقوق الفلسطينيين، بل يشكل تهديداً مباشراً لمنظومة القانون الدولي نفسها. فالقواعد التي لا تُطبق، والمبادئ التي لا تحمى، تفقد معناها تدريجياً، ما يفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات في سياقات أخرى حول العالم. ومن هنا، فإن حماية سكان مخيم قلنديا ليست مسألة محلية، بل اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع الدولي بالقيم التي يدعي الدفاع عنها.



