كتبت : فداء البرغوثي
في فلسطين، يبدأ النهار من تلك اللحظة الرقيقة التي تسبق الضوء، حين تتحرك البيوت على مهل، وكأنها تجمع قوتها ليوم جديد. امرأة توزع صباحها بين أكثر من مهمة؛ ترتب شؤون البيت، تهيئ أبناءها، وتستعد في الوقت نفسه لعمل ينتظرها، أو صف تدخل إليه، أو مكتب تقصده، أو مستشفى تبدأ فيه ورديتها، أو طريق تعرف مسبقا ما يحمل من تعب. ورجل يقف عند الباب لحظة قصيرة، يراجع في رأسه الطريق والوقت، ثم يخرج حاملا يومه كما يحمل الفلسطيني أيامه كلها: بصبر طويل، ويقظة دائمة، وحسابات تسبق كل خطوة.
وفي الأزقة تمضي الحركة باكرا. طالب يشد حقيبته إلى كتفه، وموظفة تسرع إلى دوامها، وعامل يلاحق رزقه، ومريض يتهيأ لموعد علاجه كأن الوصول إليه رحلة كاملة، ومزارعة تعرف أن الطريق إلى الأرض صار جزءا من مشقة العمل نفسه. هكذا تبدو فلسطين في صورتها الأقرب إلى الحقيقة: حياة تسير فوق أعصاب مشدودة وقلقة، وناس يتقنون ترتيب أيامهم وسط امتحان يومي مفتوح. القلق هنا يسكن نبرة الصوت، ويظهر في سرعة الخطوات، وفي نظرة عابرة نحو الطريق، وفي الجملة القصيرة التي تتكرر كل صباح داخل بيوت كثيرة: الله يستر.
ثم يظهر الاحتلال، كما يظهر دائما، داخل التفاصيل قبل العناوين. يظهر في الطريق حين يفقد بساطته ويصير احتمالا مفتوحا. يظهر في الحاجز الذي يقتطع من أعمار الناس قبل أن يقتطع من ساعاتهم. يظهر في السوق حين ترتجف الحركة تحت ثقل التضييق. يظهر في الأرض حين يحتاج الوصول إليها جهدا إضافيا. يظهر في المدرسة حين يدخل الطفل إلى يومه حاملا توترا أكبر من عمره.
الاحتلال هنا لا يكتفي بالسيطرة على الجغرافيا، بل يتدخل في هندسة الزمن الفلسطيني نفسه. يجعل المسافة القصيرة زمنا طويلا، والموعد البسيط خطة معقدة، والخروج من البيت خطوة تحتاج حسابات كثيرة. دقيقة الانتظار عند الحاجز تمتد في أعصاب الناس أكثر مما تمتد على الساعة، وتأخير واحد قادر على إرباك يوم كامل: موظف يفقد جزءا من دوامه، طالب يدخل صفه مثقلا، مريض يصل إلى علاجه مرهقا، وأم تعيد ترتيب البيت على إيقاع الغياب والتأخر. ويظهر الاحتلال في الاقتصاد أيضا، حين يصبح الرزق أكثر هشاشة، وتصبح التجارة رهينة الإغلاقات والقيود، وتصبح حركة البضائع مرتبطة بإرادة القوة الغاشمة. التاجر يفتح متجره وهو يعرف أن السوق هنا يتحرك تحت ضغط دائم، والعامل يذهب إلى عمله وهو يدرك أن أي طارئ سياسي قد يقتطع من دخله، والمزارع يعرف أن الموسم لا تحدده السماء وحدها، بل تحدده أيضا بوابات مغلقة وطرق متغيرة وقرارات مفاجئة.
ويظهر في الأرض، وهي قلب الحكاية الفلسطينية. الطريق إلى الحقل صار جزءا من العمل نفسه، والوصول إلى الشجرة يحتاج أحيانا ما يشبه المعركة الصامتة. الزيتون يعرف أقدام أصحابه، لكن أصحابه يسيرون إليه بقلوب مثقلة بالحذر. الأرض التي كانت مساحة رزق وطمأنينة، صارت في كثير من الأيام مساحة يقظة واستنفار وصبر طويل. ويظهر الاحتلال في البيت، حين يدخل القلق مع أول الصباح. الأسرة ترتب يومها على أساس الاحتمالات: من يصل، من يتأخر، من يعبر، ومن يعود أدراجه. الأطفال يلتقطون هذا التوتر من وجوه الكبار، فيكبر فيهم وعي مبكر، وتكبر معهم أسئلة أثقل من أعمارهم. البيت الفلسطيني يحمل دفئه المعروف، لكنه يحمل معه أيضا عبء متابعة الأخبار، وانتظار الاتصالات، وقراءة اليوم ساعة بساعة. ويظهر في المدرسة، حين يدخل الطالب إلى يومه محملا بترقب يسبق الدرس. ويظهر في المستشفى، حين يتحول الوصول إلى العلاج جزءا من العلاج نفسه. ويظهر في الجامعة، حين يحمل الشاب طموحه بيد، ويقين الواقع الثقيل باليد الأخرى. ويظهر في الشارع، حين يصبح كل تحرك قابلا للمفاجأة، وكل برنامج يومي مفتوحا على التبدل.
هنا، يتجاوز الاحتلال صورته العسكرية والسياسية، ويصبح عبئا يوميا يضع يده على الخبز والوقت والرزق والطريق. يثقل النهار من أوله إلى آخره، ويجعل أبسط الأعمال تحتاج صبرا مضاعفا، ويقظة متواصلة، وطاقة كبيرة كي تستمر الحياة في شكلها الطبيعي. وهو يعرف أن إنهاك الإنسان من التفاصيل باب واسع إلى إنهاك المجتمع كله، لذلك يضغط على اليوم الصغير كما يضغط على العنوان الكبير. ومع ذلك، ينهض الفلسطيني كل صباح. يفتح متجره، يرسل أبناءه إلى مدارسهم، يذهب إلى عمله، يزور مريضه، يزرع أرضه، ويرتب يومه بعناد يدرك تماما كيف يحمي الكرامة. هنا تكمن قوة هذا الشعب: قدرة نادرة على حمل الحياة فوق الكتفين، وعلى ترميم اليوم كلما تصدع، وعلى إبقاء القلب مفتوحا رغم هذا الثقل كله.
وفي المقابل، تقف السياسة أمام امتحانها الأصعب. حين يحمل الناس أوطانهم في تفاصيلهم الصغيرة، تصبح السياسة مطالبة بأن تحمل الناس في قراراتها الكبرى. حين يخرج العامل إلى رزقه مثقلا بالحسابات، تصبح السياسة مطالبة بأن تخفف الحمل. حين تذهب المرأة إلى بيتها وعملها وهي توزع قلبها بين أكثر من جبهة، تصبح السياسة مطالبة بأن ترى هذا الجهد وتحميه. حين يكبر الطفل باكرا تحت وطأة القلق، تصبح السياسة مطالبة بأن تفتح له نافذة أوسع من هذا الواقع.
السياسة هنا هي القدرة على تحويل صبر الناس إلى قوة منظمة، وتعبهم إلى أولوية، وقلقهم إلى ملفات تجد طريقها إلى الحل، وطاقتهم إلى مشروع وطني جامع. وهي القدرة على أن يشعر المواطن أن هناك من يسهر على يومه كما يسهر هو على لقمة عيشه، وأن هناك من يرى الطريق بعينيه، ويحس بثقل الوقت على كتفيه. لكن الفجوة اتسعت. الناس يسرعون إلى يومهم، والسياسة تسير ببطء. الناس يرممون ما يتصدع كل صباح، والسياسة تؤجل ما يحتاج إلى قرار. الناس يقدمون من أعصابهم وأعمارهم ما يكفي لبناء مراحل كاملة، والسياسة تبدد كثيرا من الفرص في الدوران داخل الحسابات الضيقة، وفي إدارة اللحظة بدل صناعة المستقبل.
شعب ينجو كل يوم... وسياسة تخذله كل يوم.
وفي هذه الجملة يقف المشهد الفلسطيني كله: ناس يوقظون البلاد من تعبها كل صباح، ويقودونها إلى المساء بما بقي فيهم من صبر ومحبة، ووطن ينتظر سياسة تعرف قيمة هذا الشعب، وتليق بما يقدمه في كل يوم، وتفهم أن أعظم ثروة في فلسطين هي الإنسان الذي ما زال، حتى هذه اللحظة، يحملها على كتفيه.
*مستشارة النوع الاجتماعي والإعلام



