القدس -واثق نيوز-محمد زحايكة- أظن كوني ابو الظنون والفنون والحديث ذو شجون، ان اللقاء الذي جمعني مع الفنان المسرحي المعروف ادوار معلم كان في بداية ثمانينات القرن المنصرم وفي مسرح الحكواتي المقدسي الذي كان معلم أحد مؤسسيه اذا لم تخني ذاكرتي المتصدعة.
وهذا يوم وذاك يوم، اذ جمعتنا مع هذا الفنان النبيل صداقة ظلت متوهجة إلى أن غادرنا مصحوبا بالسلامة إلى رام الله الشقراء مع نصفه الاخر الفنانة ايمان عون وأسسا مسرح عشتار الذي صار له صيتا في تعليم وتدريب فنون المسرح. ونزعم ان طيران عشتار وربما قبلها او بعدها مسرح القصبة بقيادة الفنان جورج ابراهيم حبش إلى "رام الله العظمى" قد ترك جرحا غائرا في قلب القدس التي بدت شاحبة وخيٌمت عليها سحابة من الأسى بسبب غياب معظم صناع الحركة الاعلامية والثقافية والفنية مع مجيء الغضيب اوسلو.
لا ملامة ولا ندامة..
وطبيعي لا يمكننا أن نلوم رموز الفن على مغادرة القدس، فلا بد ان هناك ظروفا موضوعية وذاتية أجبرتهم على اتخاذ هذا القرار الخطير، خاصة وأنهم شبه انقطعوا وغابوا عن ميادين القدس ومسارحها التي كانت تضج بالحياة. على أية حال، يمكن توصيف الفنان ادوار معلم بالإنسان الهادئ والرزين الذي يكرس وقته بكل جد واجتهاد للمسرح الذي يعتبره حياته ورسالته الانسانية المنفتحة على كل التيارات الفكرية والثقافية والفنية وان المسرح حالة متطورة لا تعرف الثبات او القوالب الجاهزة وإنما هو حالة تجريب لا نهائية قد تصل إلى حالة من الغرائبية او العجائبية اذا شئتم.
طبيعة عشتار ..
هناك من يرى ان طابع المسرح العشتاري ورؤيته الفنية هي أقرب إلى الروح الغربية والفوضوية التي لا تعرف الحدود ولا القيود في تناول قضايا الانسان محليا او عالميا، مما يجعل البعض احيانا ينظر بعين الشك والريبة إلى طبيعة هذا المسرح " التغريبي" وفلسفته في الحياة وهو ما يثير غضب بعض أصحاب الفكر المتزمت والجامد، فيهاجمون هذا اللون من الطرح المسرحي الجريء وغير المعهود في بلادنا، الا أن طبيعة التقدم في جوهر الحياة الانسانية إلى الأمام تفضي ولو بشكل بطيء وتدريجي إلى تفهم هذه الألوان من الفنون وخاصة بعد الثورة في عالم الاتصالات واكتساح وسائل التواصل الاجتماعي والرقمي التي تضع العالم برمته بين أيدينا وقدٌام أعيننا.
نظرة مستقبلية ..
ادوار معلم كما خبرته عن قرب ، انسان في غاية التواضع، هادئ الطباع، متفهم إلى أبعد الحدود وصاحب نظرة مستقبلية ، أخذ على عاتقه نشر فلسفة المسرح الحديث بين جماهير الشعب انطلاقا من مركزه في رام الله وتأسيسه لمدرسة عشتار لتعليم وتدريب المسرح، التي خرٌجت اعدادا كبيرة من محبي المسرح ذكورا واناثا، وارست نواة مسرح فلسطيني مهني بقالب عصري يسعى إلى تغيير مفاهيم المسرح التقليدي وينقله إلى آفاق رحبة جديدة.
منتجات فنية مدهشة ..
ونحن نرقب ولو عن بعد هذه الفعاليات والانتاجات المسرحية التي ينتجها مسرح عشتار الذي يقوم اساسا على " ادوار معلم" ونصفه الحلو زوجته الفنانة ايمان عون . لا شك بأن المسرح الفلسطيني في سفره القادم، سوف يذكر البصمة التي سجلها ويسجلها هذا الفنان المتميز بلونه وذوقه الخاص الذي ربما قد تأثر بذائقة أعمال المخرج المسرحي الراحل فرانسوا ابو سالم الذي تمرد على كل القيود المسرحية الفلسطينية وأسٌس للون خاص ونكهة جديدة على خشبة المسرح.
لا يمكن في هذه العجالة السريعة الاطلالة الشاملة على عالم الفنان ادوار معلم، فهو صاحب مسيرة طويلة في اروقة المسرح الفلسطيني ربما شارفت على النصف قرن وهي حافلة بالعطاء والانجاز على مدى الأيام والسنين.
ادوار معلم فنان مغامر ومتجدد بنكهة عصرية خاصة منفتحة على اتساع المدى والافق البعيد.
محليات



