رئيس التحرير

الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: هل يغيّر رحيل نتنياهو السياسات أم يبدّل الوجوه فقط؟

5 مشاهدة
 الانتخابات الإسرائيلية المقبلة: هل يغيّر رحيل نتنياهو السياسات أم يبدّل الوجوه فقط؟

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

كلما اقتربت الانتخابات الإسرائيلية، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة الفلسطينية: هل يمكن أن يؤدي رحيل بنيامين نتنياهو إلى تغيير حقيقي في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، أم أن التغيير سيقتصر على الأشخاص دون المساس بجوهر المشروع السياسي الإسرائيلي؟

هذا السؤال يبدو أكثر إلحاحاً اليوم مع الحديث عن انتخابات مبكرة وصعود شخصيات مثل جابي ايزنكوت ونفتالي بينت أو تحالفات معارضة تسعى إلى إنهاء حقبة نتنياهو. إلا أن قراءة المشهد الإسرائيلي بعيداً عن الشخصنة تقود إلى نتيجة مختلفة: الأزمة في إسرائيل ليست أزمة نتنياهو وحده، بل أزمة بنيوية في النظام السياسي الإسرائيلي الذي يتحرك بصورة متزايدة نحو اليمين القومي والديني .

لقد نجح نتنياهو خلال السنوات الماضية في إعادة تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية، ليس فقط عبر تعزيز قوة اليمين، وإنما أيضاً عبر دفع خصومه إلى تبني مواقف أكثر تشدداً في القضايا الأمنية والفلسطينية. ونتيجة لذلك، تقلص الفارق الأيديولوجي بين الحكومة والمعارضة في الملفات المرتبطة بالاحتلال والاستيطان والدولة الفلسطينية، حتى بات الخلاف يدور غالباً حول أسلوب الإدارة والعلاقات الخارجية وإدارة مؤسسات الدولة، وليس حول جوهر السياسة تجاه الفلسطينيين. وتشير استطلاعات الرأي والبرامج السياسية للأحزاب الرئيسة إلى أن غالبية الأحزاب الصهيونية، بما فيها أحزاب الوسط واليمين، ترفض العودة إلى مسار سياسي يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، وإن اختلفت في درجة التصريح بذلك أو في أدوات إدارة الصراع.

يبرز اسم رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينت باعتباره أحد أبرز المنافسين لنتنياهو، إلا أن النظر إليه باعتباره مرشحاً "أكثر اعتدالاً" تجاه الفلسطينيين لا يستند إلى سجل سياسي واضح.

فبينت كان من أكثر السياسيين الإسرائيليين رفضاً لفكرة الدولة الفلسطينية، ودعا مراراً إلى فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة الغربية، مع منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً دون سيادة. وحتى خلال فترة رئاسته للحكومة بين عامي 2021 و2022، لم يتوقف النشاط الاستيطاني، بل شهدت تلك المرحلة استمراراً في التوسع والمصادقة على آلاف الوحدات الاستيطانية، بما يؤكد أن تغيير رئيس الحكومة لم يكن يعني تغييراً في سياسة الاستيطان، وإنما اختلافاً في الخطاب السياسي فقط. كما أن تحالف بينت مع يائير لابيد يهدف أساساً إلى إنهاء حكم نتنياهو أكثر من تقديم مشروع سياسي جديد تجاه القضية الفلسطينية.

إذا كان اتفاق أوسلو قد جعل حل الدولتين أساساً للعملية السياسية طوال ثلاثة عقود، فإن المزاج السياسي الإسرائيلي اليوم يبدو أكثر ابتعاداً عن هذا الخيار.

فاليمين يرفض الدولة الفلسطينية بصورة صريحة، بينما تتعامل قوى الوسط مع الفكرة باعتبارها غير قابلة للتطبيق في الظروف الحالية أو مشروطة بترتيبات أمنية تجعل السيادة الفلسطينية منقوصة. أما الأحزاب التي تؤيد إقامة دولة فلسطينية بصورة واضحة، فقد أصبحت محدودة التأثير داخل المجتمع الإسرائيلي والكنيست، في حين تواصل الأحزاب العربية الدفاع عن هذا الخيار دون امتلاك القدرة على فرضه داخل الائتلافات الحاكمة. وتشير استطلاعات حديثة إلى تراجع التأييد اليهودي الإسرائيلي لتسوية الدولتين مقارنة بالعقود السابقة، مع ارتفاع الاعتقاد بأن الوقائع التي فرضها الاستيطان جعلت تنفيذها أكثر صعوبة.

ورغم هذه المعطيات، يتكرر مع كل انتخابات إسرائيلية خطاب فلسطيني يراهن على سقوط نتنياهو باعتباره مدخلاً لتحسين الأوضاع السياسية. ويمكن تفسير هذا التفاؤل بعدة عوامل :

أولها، أن شخصية نتنياهو أصبحت رمزاً للسياسات الأكثر تشدداً، ما يجعل رحيله يبدو وكأنه نهاية لمرحلة كاملة، رغم أن معظم منافسيه يتبنون مواقف متقاربة في القضايا الجوهرية.

وثانيها، أن الحكومات التي لا تضم أحزاب اليمين الديني المتطرف قد تكون أقل اندفاعاً في خطابها وأكثر حرصاً على ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وهو ما يخلق انطباعاً بإمكانية استئناف المسار السياسي.

أما العامل الثالث، فهو الرغبة الفلسطينية الطبيعية في البحث عن أي فرصة سياسية بعد سنوات طويلة من الجمود، حتى وإن كانت المؤشرات الواقعية لا تدعم هذا التفاؤل بصورة كافية.

غير أن التجربة العملية تقدم صورة مختلفة. فقد شهدت حكومة بينت–لابيد، التي وُصفت آنذاك بأنها "حكومة التغيير"، استمرار البناء الاستيطاني، واستمرار الاقتحامات العسكرية، وعدم إطلاق أي عملية سياسية جدية مع الفلسطينيين. وبالتالي فإن تغيير الحكومة لم ينعكس تغييراً في السياسات الأساسية، بل في مستوى الخطاب وطبيعة العلاقة مع المجتمع الدولي.

الخطأ الذي يقع فيه كثير من المراقبين هو اختزال السياسة الإسرائيلية في شخصية رئيس الوزراء، بينما تكشف التجربة أن المؤسسة الأمنية والعسكرية، والائتلافات الحزبية، والتحولات الاجتماعية داخل إسرائيل، جميعها تدفع باتجاه سياسات يصعب على أي رئيس حكومة تجاوزها. وهذا ما يفسر تصريحات ايزنكوت المرشح ايضا لخلافة نتياهو ، حيث ركز في خطابه للمجتمع الاسرائيلي ان برنامجه يقوم على الاستمرار في تعزيز الاستيطان " في يهودا والسامرة " اي الضفة الغربية مع استمرار عمليات جيش الاحتلال في طول الضفة وعرضها بشكل ليلي حسب تعبيره من اجل القضاء على ما اسماه " الارهاب الفلسطيني" وضمان امن اسرائيل ، لكنه في المقابل تحدث عن توجهات شخصية نحو تحسين الوضع الاقتصادي الفلسطيني من خلال السماح للعمال الفلسطينيين بالدخول الى اسرائيل بمعدل 100-150 الف عامل يوميا وكذلك مساعدة السلطة الفلسطينية على البقاء من خلال حل مشكلة المقاصة ولو لم يتطرق لذلك بشكل واضح لكنه يرى ان استقرار الوضع الاقتصادي يؤدي الى استقرار امني . وفي المقابل لم يطرح اي برنامج يتعلق بالمسار السياسي والعودة الى المفاوضات ما يعني ان العقل الاسرائيلي يقوم على استراتيجية واضحة وهي " لا دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 67 " منذ المؤسسين الاوائل مرورا برابين وبيرس والى يومنا هذا . 

لذلك فإن احتمال رحيل نتنياهو قد يغيّر شكل الحكومة، ويخفف من حدة الاستقطاب الداخلي، وربما يعيد شيئاً من الانسجام مع الحلفاء الغربيين، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً استراتيجياً في الموقف من الاحتلال أو الاستيطان أو الدولة الفلسطينية. غير ان جل اهتمام من سيأتي بعد نتنياهو هو اعادة ترميم صورة اسرائيل المكسرة بعد حرب الابادة في غزة والضفة الغربية حيث انكشفت الرواية الاسرائيلية الزائفة وتفوقت عليها الرواية الفلسطينية بالصورة والصوت والخطاب السياسي من قبل المحللين والمفكرين الفلسطينيين والمتابعين من العرب والعجم لما يجري من مجازر وتطهير عرقي في فلسطين المحتلة .

وفي ضوء الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، يبدو أن السؤال الأهم ليس: "من سيخلف نتنياهو؟"، بل: "هل ما زالت هناك أغلبية إسرائيلية مستعدة لدفع ثمن التسوية السياسية؟". وحتى الآن، تشير المؤشرات إلى أن المنافسة الانتخابية تدور داخل معسكرات تختلف في إدارة الصراع، لكنها لا تختلف كثيراً حول استمرار السيطرة الأمنية ورفض تقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين. ومن ثم، فإن التعويل الفلسطيني على تغيير الأشخاص وحده قد يؤدي إلى تكرار خيبات سابقة، ما لم يُبنَ على قراءة دقيقة للتحولات البنيوية التي أعادت تشكيل السياسة الإسرائيلية خلال العقدين الأخيرين. وتشير التطورات المرتبطة بالانتخابات الأخيرة إلى أن المنافسة الحالية تتركز على قيادة الدولة وإدارة الأزمات الداخلية والحرب، أكثر من إعادة إحياء عملية السلام أو تبني مشروع سياسي جديد تجاه الفلسطينيين.