الكاتبة : الدكتورة سناء محمد حسين شحادة
يأتي رمضان كل عام حاملاً معه هدوء السماء، ودفء الدعاء، ونور المساجد، كأنه رسالة رحمة تهبط على الأرض لتعيد ترتيب القلوب. شهرٌ ينتظره الناس بشوق، يتحدثون عنه كأنه موعد مع الطمأنينة، وكأن أبواب السماء تُفتح فيه ليعود الإنسان إلى إنسانيته الأولى.
لكن، وبين هذا النور كله، يحدث شيء غريب…
رمضان الذي يفترض أن يجمعنا، أصبح عند كثيرين شهر الخلافات الصغيرة التي تكبر، وشهر الجروح التي تُفتح من جديد.
في بيوت كثيرة، قبل أذان المغرب بدقائق، لا يُسمع صوت الدعاء بقدر ما تُسمع نبرة التوتر. كلمة عابرة تتحول إلى جدال، وملحوظة بسيطة تصبح شرارة غضب. الجوع والعطش والتعب يثقل النفوس، فتضيق الصدور بسرعة، ويصبح الاحتمال أقل من المعتاد.
يجلس الناس حول مائدة الإفطار، لكنها أحيانًا ليست مائدة تجمع القلوب، بل مائدة يجلس حولها المتخاصمون في صمت ثقيل. عيون تتهرب من بعضها، وقلوب تحمل في داخلها كلمات لم تُقال، أو كلمات قيلت وجرحت أكثر مما ينبغي.
الغريب أن رمضان جاء ليعلّمنا الصبر… لكننا أحيانًا نصبح فيه أقل صبرًا.
جاء ليعلّمنا ضبط النفس… لكننا نفقد أعصابنا بسرعة.
جاء ليقرب القلوب… لكننا نسمح للأشياء الصغيرة أن تبعدنا.
كم أخوين لا يتحدثان بسبب كلمة عابرة؟
كم قريبين فرّق بينهما سوء فهم تافه؟
وكم بيت يسكنه الصمت في رمضان بدل الرحمة؟
ننسى أحيانًا أن هذا الشهر ليس اختبارًا للجسد فقط، بل اختبار للروح. ليس المهم فقط أن نصوم عن الطعام، بل أن نصوم عن الغضب، عن القسوة، عن الكلمات التي تترك ندوبًا في القلوب.
ما قيمة الصيام إن كنا نجرح بعضنا؟
وما قيمة الإفطار الجماعي إن كانت القلوب متباعدة؟
الحياة أقصر من أن تُهدر في خصومات تافهة.
والعلاقات أثمن من أن تُكسر بسبب لحظة غضب.
قد يمر رمضان سريعًا، كما يمر كل عام، لكن الكلمات التي نقولها في لحظة انفعال قد تبقى سنوات في ذاكرة من نحب. وقد يرحل أشخاص من حياتنا دون أن نحظى بفرصة إصلاح ما كُسر بيننا.
لهذا… قبل أن ترفع صوتك في جدال، تذكر أن الشهر الذي تعيشه هو شهر الرحمة.
وقبل أن تترك خصامًا يكبر، تذكر أن الاعتذار لا يُنقص من كرامتك، بل يرفع من إنسانيتك.
رمضان لا يفرقنا في الحقيقة…
نحن الذين نسمح للأنا والغضب وسوء الفهم أن تفعل ذلك.
أما إذا اخترنا التسامح، وكسرنا كبرياءنا قليلًا، ومددنا أيدينا بالصلح، فسيعود رمضان كما يجب أن يكون:
شهر يجمع القلوب، لا شهرًا يترك بينها مسافات.
لأن أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذا الشهر ليس فقط صيامًا مقبولًا…
بل قلوبًا صافية، وعلاقات لم يكسرها الغضب.
*باحثة في سلك الدكتوراه
*أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية



