اقتصاد

غزة تحت الحصار .. بين تدفق المساعدات وقيود التجارة والإنتاج

17 مشاهدة قراءة 13 دقيقة

غزة-القاهرة-واثق نيوز-وكالات-رغم التحسن الملحوظ في حجم السلع والمساعدات التي تدخل إلى قطاع غزة خلال الأشهر الأخيرة، فإن انعكاس هذا التحسن على حياة السكان والاقتصاد المحلي لا يزال محدودا. فما يدخل إلى القطاع لم يتمكن حتى الآن من إعادة التوازن إلى الأسواق، أو استعادة القدرة الشرائية للسكان، أو إطلاق دورة إنتاج قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية.

وتتوزع الواردات بين مساعدات إغاثية لا تغطي جميع الاحتياجات، وسلع تجارية يغلب عليها الطابع الاستهلاكي، في وقت يعاني فيه معظم السكان من تراجع قدرتهم على الشراء وفقدان مصادر الدخل. وفي المقابل، لا تزال المواد الخام ومولدات الطاقة وقطع الغيار والمعدات الضرورية لاستئناف الإنتاج تدخل بكميات محدودة.

ولا ترتبط المشكلة فقط بحجم السلع التي تصل إلى القطاع، وإنما أيضا بطبيعة المواد المسموح بدخولها، وتلك التي تمنع أو تتأخر الموافقة عليها. وتتحكم إسرائيل في حركة البضائع، بما يؤثر في حجم المعروض وأسعاره، وكذلك في قدرة الاقتصاد على استعادة أدوات الإنتاج.

لذلك، فإن تقييم الوضع لا يقتصر على معرفة عدد الشاحنات التي تدخل غزة، بل يتطلب النظر إلى محتوياتها، وما يُمنع من الدخول، والجهات التي تصل إليها هذه السلع، وتكلفتها، ومدى كفايتها لتلبية الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية.

مسار البضائع إلى غزة ..
تدخل البضائع والمساعدات إلى قطاع غزة حاليا عبر معبر كرم أبو سالم، الذي يمثل نقطة الدخول التشغيلية الوحيدة للشاحنات إلى القطاع. وتأتي هذه الشاحنات من مسارات مختلفة، بينها إسرائيل ومصر والأردن والضفة الغربية، وفقا لإجراءات التنسيق والموافقات المعمول بها.

وتنقسم الشاحنات الداخلة إلى نوعين رئيسيين:

المساعدات الإنسانية: وتنقلها شاحنات تابعة للأمم المتحدة والمنظمات والمؤسسات الدولية المعتمدة، بعد التنسيق مع الجهات المختصة.
البضائع التجارية: وتدخل من خلال عدد محدود من التجار والشركات المعتمدين، وفقا لإجراءات وموافقات خاصة.

وتقول وزارة التنمية الاجتماعية في غزة إن المساعدات التي تدخل القطاع لا تتجاوز 15% من الاحتياجات، بينما يعتمد أكثر من 95% من السكان على المساعدات بصورة كاملة، في حين فقد أكثر من 90% منهم القدرة على الشراء.

وتوضح المتحدثة باسم الوزارة عزيزة الكحلوت أن قاعدة بيانات الوزارة تضم نحو 513 ألف أسرة محتاجة للمساعدة، فيما تتركز الأولويات الحالية على الغذاء، ومياه الشرب، والمساعدات النقدية، والمأوى، والأدوية والمستلزمات الطبية، والوقود، ومواد النظافة والحماية، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي.

وتلخص الوزارة أبرز التحديات في ثلاثة مستويات مترابطة:

-محدودية كميات المساعدات وعدم انتظامها.
-صعوبة إيصال المساعدات إلى المستفيدين بعد دخولها، نتيجة نقص الوقود ووسائل النقل وتضرر البنية التحتية.
-عدم تنوع المساعدات بما يتناسب مع الاحتياجات المتغيرة للسكان.
-تضخم مرتفع وقدرة شرائية منهارة
ولا يعني توفر بعض السلع في الأسواق أن السكان قادرون على الحصول عليها؛ فالمشكلة لا تتعلق بالعرض فقط، وإنما أيضا بالقدرة الشرائية للأسر.

وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن التضخم في غزة لا يزال عند نحو 200% فوق مستويات ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما بلغ 206% في نهاية أغسطس/آب الماضي .

ويصف الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب الوضع بأنه أزمة مزدوجة، تتمثل في وصول السلع إلى الأسواق بتكاليف مرتفعة، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للسكان بشكل كبير. ويشير إلى أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بندرة السلع، بل أيضا بتكاليف النقل والتخزين والطاقة والمخاطر، وهي تكاليف تنعكس في النهاية على المستهلك.

وبالتالي، فإن تحسن تدفق السلع لا يمكن قياسه بمجرد وجودها على رفوف المتاجر، وإنما بمدى قدرة الأسر على الوصول إليها وشرائها.

نحو 200 شاحنة تجارية يوميا ..
تظهر معطيات غرفة تجارة غزة أن متوسط عدد الشاحنات التجارية التي تدخل القطاع فعليا لا يتجاوز نحو 200 شاحنة يوميا، مقابل حد أدنى متفق عليه يبلغ نحو 600 شاحنة يوميا، بينما يقدّر الاحتياج الفعلي بنحو 1000 شاحنة يوميا لتحقيق قدر من الاستقرار في الأسواق ودعم التعافي الاقتصادي.

لكن عدد الشاحنات ليس العامل الوحيد المهم؛ إذ يشير مدير العلاقات العامة والإعلام في غرفة التجارة، خليل عطالله، إلى أن نحو 95% من السلع المسموح بدخولها ذات طابع استهلاكي، مقابل نحو 5% فقط مرتبطة بالإنتاج.

ووفقا لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، دخل إلى القطاع الخاص في غزة خلال أغسطس/آب 3627 شاحنة تجارية، بزيادة بلغت 116 شاحنة مقارنة بيوليو/تموز المنصرم .

وتشمل أبرز الاحتياجات والنواقص الحالية، بحسب غرفة التجارة، الوقود والزيوت، وقطع غيار المركبات والآلات، ومستلزمات الطاقة، ومعدات تحلية المياه، والمدخلات الزراعية والصناعية، والمعدات التشغيلية.

قيود على المواد ذات الاستخدام المزدوج ..
لا تتوقف الفجوة عند حجم الواردات أو قدرة السكان على شرائها، إذ تؤثر القيود المفروضة على بعض المواد في طبيعة الإمدادات وكمياتها.

ويشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن إدخال المواد التي تصنفها السلطات الإسرائيلية على أنها "ذات استخدام مزدوج" لا يزال محدودا للغاية، كما تخضع طلبات إدخالها لإجراءات موافقة أطول، تنتهي في حالات كثيرة بالرفض.

وتشمل المواد التي يمكن أن تتأثر بهذه القيود، وفقا للأمم المتحدة، الخيام والشوادر والأخشاب والحبال والأشرطة والأدوات وأدوات الطهي وأنظمة الطاقة الشمسية، الأمر الذي يحد من القدرة على توسيع الاستجابة لاحتياجات المأوى والاستعداد لفصل الشتاء.

ويرى الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب أن التعافي الاقتصادي لا يعتمد فقط على زيادة المساعدات، بل يحتاج أيضا إلى استعادة التجارة والإنتاج. فالمساعدات، بحسب رؤيته، ضرورية لتلبية احتياجات البقاء، بينما تساهم التجارة في إعادة تحريك الاقتصاد، وتسمح مدخلات الإنتاج بخلق فرص العمل والدخل.

وتوضح غرفة تجارة غزة أن عدد المستوردين الذين كان يتجاوز 2000 مستورد قبل الحرب انخفض حاليا إلى ما بين 10 و13 مستوردا فقط، في ظل القيود على الحركة والدخول وارتفاع المخاطر والتكاليف.

المساعدات المصرية تتزايد ..
وفي الجانب المصري، تشير البيانات إلى إدخال نحو 13 ألف طن من المساعدات و75 ألف سلة غذائية خلال أسبوع واحد.

وتقول آمال إمام، المديرة التنفيذية للهلال الأحمر المصري المعني بتنظيم عملية إدخال المساعدات إلى غزة، إن الفترة الأخيرة شهدت انتظاما نسبيا في دخول شاحنات المساعدات.

وتوضح أن دور الهلال الأحمر يتركز على إيصال المساعدات، مع الإعلان يوميا عن الكميات التي جرى إدخالها، مشيرة إلى مشاركة نحو 75 ألف متطوع في جهود إدخال المساعدات إلى القطاع.

وتشمل المساعدات المقدمة احتياجات أساسية ومتنوعة، من الغذاء والملابس والأدوية إلى الوقود المستخدم في تشغيل المستشفيات والمخابز، إضافة إلى تجهيز قوافل شتوية لمساعدة السكان على مواجهة انخفاض درجات الحرارة وقسوة الطقس.

الاستعداد لفصل الشتاء ..
وفي هذا السياق، يشير المتحدث باسم اللجنة المصرية في قطاع غزة محمد منصور إلى دفع قافلة مصرية كبيرة إلى المنطقة الوسطى من القطاع، في ظل اقتراب فصل الشتاء، وضمت طرودا غذائية وخياما وطرودا دوائية وأغطية ثقيلة، لتوزيعها على العائلات النازحة والأسر التي تعيش في خيام متهالكة.

وبين 27 سبتمبر/أيلول و3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بلغ حجم المساعدات التي دخلت قطاع غزة من الجانب المصري نحو 13 ألف طن من المساعدات و75 ألف سلة غذائية، عبر ست قوافل ضمن مبادرة "زاد العزة" التي تقدمها مصر للقطاع من خلال الهلال الأحمر المصري.

ووفقا لبيانات الهلال الأحمر المصري، دخل خلال الأسبوع الأخير وحده نحو 3 آلاف طن من الوقود السائل اللازم لتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية، إضافة إلى نحو مليون طن من المساعدات منذ بدء الحرب على غزة.

بين المساعدة والإنتاج ..
تكشف حركة البضائع والمساعدات إلى غزة عن فجوة تتجاوز مسألة الكميات. فزيادة عدد الشاحنات لا تعني بالضرورة تحسنا موازيا في قدرة السكان على تلبية احتياجاتهم، كما أن وفرة السلع الاستهلاكية لا تكفي لاستعادة النشاط الاقتصادي في ظل محدودية مدخلات الإنتاج.

وبينما تظل المساعدات ضرورية لتوفير الاحتياجات الإنسانية العاجلة، فإن استعادة النشاط التجاري والإنتاجي تتطلب وصولا أكبر إلى الوقود وقطع الغيار والمواد الخام والمعدات والمدخلات الزراعية والصناعية.

وبذلك، فإن التحدي لا يتمثل فقط في كمية ما يدخل إلى غزة، وإنما في نوعية هذه السلع، وانتظام تدفقها، وكلفة وصولها، وقدرة السكان والقطاعات الاقتصادية على الاستفادة منها.