آراء

الحوار الفلسطيني: استمرار الهيمنة أم خطة للإنقاذ الوطني؟

11 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

بقلم: جمال زقوت

في لحظة فلسطينية بهذا القدر من الخطورة، لا يحتاج شعبنا إلى حوار شكلي جديد، ولا إلى لقاء تُحسم نتائجه قبل أن يبدأ. ما يحتاجه هو مسار سياسي قادر على وقف التدهور، وضمان وحدة القرار الوطني، وفتح الطريق أمام معالجة المأزق الفلسطيني المتراكم.

من هنا تكتسب الدعوة إلى حوار وطني تستضيفه القاهرة أهمية خاصة، خصوصاً أنها تستند، وفق ما أُعلن، إلى المبادرة التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحت عنوان «خارطة طريق للإنقاذ الوطني». وهذه المبادرة لا تختزل الأزمة في الانتخابات، بل تطرح حزمة مترابطة من القضايا: مرحلة انتقالية توافقية، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، وتشكيل حكومة توافق وطني تتحمل مسؤوليتها في الضفة وقطاع غزة، ثم التحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في موعد ملزم .

المشكلة تبدأ عندما يجري التعامل مع هذه الحزمة باعتبار أن جوهر الحوار هو تأجيل الانتخابات، بينما تتحول بقية العناصر إلى تفاصيل قابلة للتجاوز. عندها يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام حوار لإنتاج توافق وطني، أم أمام محاولة للحصول على غطاء وطني لقرار تأجيل سبق اتخاذه؟

حين يصبح الحوار غطاءً لقرار مسبق

حتى الآن، لم تُوجَّه دعوة رسمية للحوار، فيما تداولت أوساط سياسية ما وُصف بأنه شروط مسبقة للمشاركة. وإذا صحت هذه التسريبات، فإنها تطرح مشكلة جوهرية، لأن الحوار الذي يبدأ بإملاءات لا يختلف كثيراً عن اجتماع لتبادل المواقف، لا عن حوار يبحث عن مخارج مشتركة.

الحوار الوطني الحقيقي لا يقوم على أن يأتي طرف بما يريد، ثم يطلب من الآخرين الموافقة عليه. ولا يمكن أن يكون حواراً إذا استُبعدت منه قوى أو أطراف فاعلة في صياغة التفاهمات المتعلقة بقطاع غزة أو في البحث عن مخارج للمأزق الوطني. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج الانقسام داخل غرفة مغلقة، وإنما بناء أوسع مساحة ممكنة للتوافق.

وتزداد أهمية ذلك لأن الظروف التي يمر بها الفلسطينيون لا تسمح بإدارة الأزمة بالوسائل القديمة. غزة تواجه آثار حرب إبادة لم تتوقف، ودمار ونزوح هائلين، والضفة الغربية تواجه تصاعد الاستيطان والضم والتهجير والتطهير العرقي، فيما تتعرض منظمة التحرير ومؤسسات السلطة الفلسطينية لضغوط متزايدة تستهدف استكمال هندستها وفق المخططات الاسرائيلية، وتتواصل محاولات فرض ترتيبات تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية.

في مثل هذه الظروف، لا تكفي الدعوة إلى "ترتيب البيت الداخلي" إذا كان المقصود بها إعادة ترتيب مراكز النفوذ القائمة. المطلوب إعادة بناء البيت الوطني نفسه، وتحصينه على قاعدة الشراكة في تحمل المسؤولية الوطنية، لا إعادة توزيع الإقصاء وتكريس التفرد والانفراد .

ولهذا، فإن خارطة الطريق التي طرحتها الجبهة الشعبية، والتي تنطلق في جوهرها من إعلان بكين التي جسدت إجماعاً وطنياً وشعبياً واسعاً، تستحق أن تُناقش باعتبارها ورقة وطنية مفتوحة، لا وصفة حزبية مغلقة، مع ضرورة عدم إغفال أن جوهر ما ورد فيها جاء تتويجاً لحوار بكين الذي أفضى موافقة جميع المشاركين فيه على مخرجاته. وقد أكدت التجربة الملموسة أن إدارة الظهر لهذا المسار أسهمت في إيصال الحالة الفلسطينية إلى ما هي عليه. وبالتالي فإن جدية أي نتائج للحوار يتمثل في الاتفاق على تشكيل حكومة توافقية انتقالية، وفق أجندة أولويات وطنية ومرجعيتها منظمة التحرير في سياق إعادة بناء مؤسساتها لتشمل الكل الوطني، ثم إجراء انتخابات شاملة، دون اشتراطات مسبقة.

وهنا تحديداً ينبغي الفصل بين قضيتين: الانتخابات ليست بديلاً عن الإنقاذ الوطني، لكنها أيضاً لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتعطيل إعادة بناء النظام السياسي. المطلوب هو معالجة الأسباب التي جعلت إجراء الانتخابات متعذراً، ضمن مسار توافقي يضمن إجراءها في نهاية المرحلة الانتقالية، لا تأجيلها إلى أجل غير معلوم.

لقد جُرّبت خلال السنوات الماضية صيغ متعددة لإدارة الانقسام والأزمة، وكانت النتيجة مزيداً من التآكل في الثقة، ومزيداً من التعدد في مراكز القرار. لذلك قد تكون هذه واحدة من آخر الفرص المتاحة لبناء توافق فلسطيني حقيقي، قبل أن يصبح تفكك النظام السياسي نفسه جزءاً من الأزمة.

إنقاذ الوطن لا إعادة إنتاج الأزمة

المسألة، في جوهرها، ليست إنقاذ صيغة سياسية أو الحفاظ على مواقع قائمة، بل إنقاذ شعب وقضية يتعرضان لخطر غير مسبوق. ومن ثم، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي حوار هو: هل نريد حواراً لإنقاذ الوطن، أم حواراً لإنقاذ ترتيبات سياسية باتت عاجزة عن حمايته؟

الفلسطينيون لا يحتاجون إلى "حوار طرشان"، ولا إلى حوار إملاءات، بل يحتاجون إلى حوار حقيقي، تشارك فيه القوى والمكونات الوطنية كافة، بلا شروط إقصائية، وبجدول أعمال معلن، وبالتزام واضح بتنفيذ ما يتم التوافق عليه.

وربما تكون هذه هي الفرصة الأخيرة قبل أن يصبح السؤال مختلفاً تماماً. فإذا أُغلقت أبواب التوافق، وأُفشلت محاولات الإنقاذ، واستمر التفرد والإقصاء، فلن يعود المطلوب مجرد إصلاح ما هو قائم، بل سيصبح التغيير في بنية النظام السياسي بالوسائل الديمقراطية مهمة وطنية، بمشاركة كل الوطنيين، تفرضها الضرورة، لا خياراً يمكن تأجيله.

فالذي يحتاج إلى الإنقاذ هو الشعب الفلسطيني وقضيته وقراره الوطني، لا ترتيبات سياسية أصبحت عاجزة عن حمايتهم. ومن يرفضون فتح الطريق أمام الإنقاذ الوطني لا يستطيعون، في نهاية المطاف، أن يطلبوا من الشعب أن يدفع إلى ما لا نهاية ثمن استمرار الأزمة.