آراء

حينما يصبح الشعب خارج معادلة الغضب ..

56 مشاهدة قراءة 22 دقيقة

الكاتب : يونس العموري

ثمة مفارقات في حياتنا الفلسطينية لم تعد تحتمل الصمت، وثمة أسئلة باتت أكثر إلحاحا من كل الشعارات التي اعتدنا ترديدها، وأسئلة لا تتعلق فقط بما فعلته بنا السياسات والاحتلال والقيادات، بل بما فعلناه نحن بأنفسنا، وكيف استطعنا أن نتعايش مع كل هذا الخراب، وأن نمارس حياتنا وكأن ما يحدث حولنا لا يستدعي أكثر من بعض التذمر، أو منشور غاضب على مواقع التواصل الاجتماعي، أو جلسة عتاب في مقهى، قبل أن نعود إلى بيوتنا ونستأنف يومنا، وكأن الفقر والحرمان وانسداد الأفق وتآكل الكرامة الإنسانية تفاصيل عادية في حياة شعب يفترض أنه يخوض معركة وجود وحرية واستقلال.

كيف يمكن لشعب تتراكم فوقه كل هذه المظالم أن يبدو بهذا القدر من الاعتياد على وجعه؟ كيف يمكن لموظف عام أن ينتظر راتبه منذ سنوات، وأن يتلقى راتبه منقوصا أو متأخرا، وأن يعيد ترتيب حياته واحتياجات أسرته على إيقاع قرارات مالية لا يعرف مصدرها ولا نهايتها، ثم يمضي إلى عمله في اليوم التالي وكأن شيئا لم يحدث؟ كيف يمكن لعامل أن يفقد مصدر رزقه، ولخريج جامعي أن يكتشف أن شهادته لا تفتح له بابا، ولأب أن يعجز عن توفير أبسط متطلبات أسرته، ولأم أن تحسب ثمن الدواء والطعام والتعليم قبل أن تقرر أيها يمكن تأجيله، ثم يتحول كل ذلك إلى مشهد مألوف لا يستدعي سوى الشكوى العابرة؟ وماذا بقي من معنى الكرامة حين يصبح الحصول على الراتب حقا مؤجلا، والعمل امتيازا نادرا، والحياة الكريمة حلما مؤجلا إلى أجل غير مسمى؟

لسنا أمام أزمة مالية عابرة، ولا أمام اختلال إداري يمكن معالجته ببعض التصريحات والوعود، بل أمام أزمة سياسية واجتماعية وأخلاقية متراكمة، تتداخل فيها سياسات الاحتلال مع اختلالات النظام السياسي الفلسطيني، وتتقاطع فيها القيود المفروضة على الاقتصاد مع خيارات السلطة وإدارتها للشأن العام، وتتسع فيها الفجوة بين من يملكون القرار ومن يدفعون ثمنه. ومع ذلك، يبدو أن الجميع اعتادوا توزيع المسؤوليات بطريقة تتيح لكل طرف أن يهرب من مساءلته. الاحتلال حاضر في كل خطاب، وهو مسؤول عن جرائمه وسياساته وممارساته التي تخنق الحياة الفلسطينية، وهذا أمر لا يحتاج إلى تبرير أو نقاش، لكن وجود الاحتلال لا يمنح السلطة صك براءة، ولا يعفيها من مسؤولية قراراتها وسياساتها، ولا يحول الفشل الإداري والاقتصادي والسياسي إلى قدر لا يمكن مساءلته. فالاحتلال مسؤول عن احتلاله، والسلطة مسؤولة عن إدارتها، والقيادة مسؤولة عن خياراتها، ولا يجوز أن تتحول القضية الوطنية إلى مظلة يحتمي تحتها كل من يريد الإفلات من المحاسبة.

لقد اعتادت السلطة الفلسطينية أن تقدم للناس خطابا جاهزا عن الأزمة المالية، وعن الاقتطاعات الإسرائيلية، وعن الحصار والضغوط الخارجية، وكأن المطلوب من المواطن أن يتفهم إلى الأبد، وأن يصبر بلا سقف، وأن يدفع من قوت أطفاله ثمن كل أزمة، وأن يتعامل مع راتبه بوصفه منحة أو مكرمة لا استحقاقا وظيفيا وحقا قانونيا ومعيشيا. لكن السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه هو.. إلى متى؟ وإلى متى سيظل الموظف الفلسطيني مطالبا بالتضحية وحده، فيما لا يرى مراجعة جادة للسياسات، ولا مساءلة شفافة عن إدارة المال العام، ولا نقاشا وطنيا حقيقيا حول أولويات الإنفاق، ولا تحولا ملموسا في طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم؟ بأي منطق سياسي يمكن مطالبة الناس بالصبر فيما تتراجع ثقتهم بالمؤسسات، وتتآكل قدرتهم على الاحتمال، ويصبح تأمين الحد الأدنى من الحياة معركة يومية؟

أما الحركة الوطنية الفلسطينية، التي يفترض أنها تمثل ضمير المجتمع وحامل مشروعه التحرري، فقد باتت في قطاعات واسعة من المجتمع عاجزة عن تقديم إجابات مقنعة عن الأسئلة الكبرى. أين الأطر الوطنية التي كانت تقود الشارع وتعبئ الجماهير وتدافع عن حقوق الناس؟ أين الأحزاب والفصائل والنقابات والاتحادات الشعبية؟ وأين تلك التنظيمات التي كانت ترى في وجع العامل والفلاح والموظف والطالب جزءا من معركتها الوطنية؟ كيف تحولت مؤسسات يفترض أنها وجدت لتنظيم المجتمع وتأطير نضاله إلى كيانات منشغلة بحساباتها الداخلية، وبالحفاظ على مواقعها وامتيازاتها، وبإدارة خلافاتها على النفوذ والتمثيل؟ وأي معنى يبقى للحركة الوطنية حين تنفصل عن المجتمع الذي تدعي تمثيله، وحين يصبح المواطن آخر من تفكر فيه، وأول من تطالبه بالتضحية؟

لقد استهلكت القيادات الفلسطينية رصيدها من الشعارات، وأفرغت كثيرا من المفاهيم الوطنية من مضامينها، حتى باتت مفردات الصمود والتضحية والوحدة الوطنية والمصلحة العليا تتردد على الألسنة في الوقت الذي تتناقض فيه مع تفاصيل الحياة اليومية للناس. فالصمود ليس أن يظل المواطن محروما من راتبه، والتضحية ليست أن يتحمل الفقير وحده كلفة عجز المؤسسات، والوحدة الوطنية ليست صورة جماعية لقيادات تتقاسم مواقعها فيما المجتمع يتفكك تحت وطأة الأزمات. والوطنية ليست امتيازا يمنح صاحبه حصانة من السؤال، ولا صفة سياسية تسمح لأحد بأن يتحدث باسم الناس دون أن يصغي إلى أنينهم.

وفي غزة، تقف المأساة عند حدود لا تستطيع الكلمات الإحاطة بها. هناك شعب دفع أثمانا هائلة من دمه وبيوته وأطفاله وذاكرته ومقومات حياته، وهناك عائلات اقتلعت من أماكنها، وأخرى فقدت مصادر رزقها ومنازلها، وأجيال تواجه مستقبلا مثقلا بالدمار والنزوح والحرمان. إنها كارثة إنسانية وسياسية لا يجوز اختزالها في بيانات التضامن ولا في مزايدات الفصائل ولا في سجالات من يملك الحق في احتكار روايتها. غزة ليست مادة للاستهلاك السياسي، ولا ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة في بازار الانقسام. غزة مجتمع منكوب يحتاج إلى حماية ونجدة وإعادة بناء حياة، ويحتاج أيضا إلى مساءلة سياسية جادة عن كل ما أوصل القضية الفلسطينية إلى هذا القدر من الانكشاف والعجز.

وفي القدس، حيث تتواصل سياسات الاحتلال الرامية إلى التضييق على الوجود الفلسطيني واستهداف الأرض والسكن والعمل والهوية، يواجه المقدسيون معركة يومية من أجل البقاء في مدينتهم. ضرائب وملاحقات وهدم ومصادرة وقيود على الحركة والعمل والسكن، فيما يظل الدعم السياسي والمؤسسي أقل كثيرا من حجم التحديات. والقدس ليست شعارا نرفعه في المناسبات، ولا صورة نزين بها خطاباتنا، بل مسؤولية وطنية يومية، واختبار حقيقي لجدية المشروع الوطني ومصداقية مؤسساته. فأي حديث عن القدس لا يترجم إلى حماية فعلية للمقدسيين ودعم لصمودهم يبقى حديثا معلقا في الهواء، مهما ارتفعت نبرته ومهما تكرر في البيانات.

لكن المسألة الأكثر إيلاما ليست في حجم ما نواجهه فحسب، بل في الطريقة التي أصبحنا نتعامل بها معه. وهنا لا بد من توجيه السؤال إلى المجتمع نفسه، إلى هذا الصمت الذي أخذ يتسع، وإلى هذا الاعتياد المقلق على المظالم، وإلى هذه القدرة الغريبة على تحويل الكوارث إلى تفاصيل يومية. ماذا حدث لنا؟ هل استهلكتنا الخيبات إلى الحد الذي لم نعد نملك معه القدرة على الغضب؟ هل أصبح الخوف من المستقبل أقوى من الرغبة في تغييره؟ أم أننا فقدنا الثقة بأن الاحتجاج يمكن أن يحدث فرقا، وأن أصوات الناس يمكن أن تجبر أصحاب القرار على الإصغاء؟ لا أريد أن أقدم إجابات جاهزة، لكنني أعتقد أن علينا أن نتوقف طويلا أمام هذا السؤال، لأن المجتمع الذي يفقد أدوات التعبير عن غضبه يفقد تدريجيا قدرته على حماية حقوقه.

لقد أصبحنا بارعين في إدارة الغضب لا في تحويله إلى فعل. نغضب على صفحات التواصل الاجتماعي، ونشتم هذا المسؤول وذاك، ونوزع الاتهامات، ثم نعود إلى الصمت. نعرف أسماء المسؤولين عن أزماتنا، ونعرف مواطن الخلل، ونتحدث عن الفساد والمحسوبية وغياب العدالة، لكننا نادرا ما ننتقل من دائرة الكلام إلى دائرة المطالبة المنظمة بالمحاسبة. ننتظر أن يتغير الواقع من تلقاء نفسه، أو أن يأتي من يخلصنا من أزماتنا، أو أن تستيقظ القيادات فجأة على مسؤولياتها، وكأن التاريخ عرف يوما أن الحقوق تستعاد بمجرد الانتظار، أو أن أصحاب الامتيازات يتخلون عن مواقعهم طوعا دون ضغط مجتمعي ومساءلة ومطالبة مستمرة.

ولعل الأكثر خطورة أننا بدأنا نتعايش مع ما كان يفترض أن نرفضه، ونتكيف مع ما كان ينبغي أن يكون موضع احتجاجنا، حتى كاد الحرمان يتحول إلى ثقافة، والفقر إلى قدر، والبطالة إلى مصير فردي، وتأخر الرواتب إلى خبر متكرر لا يثير سوى بعض التعليقات. وحين يصبح الظلم مألوفا، لا يعود الخطر مقتصرا على من يمارسه، بل يمتد إلى المجتمع الذي يفقد حساسيته تجاهه. وحين يتعامل الناس مع انتهاك حقوقهم باعتباره أمرا لا يمكن تغييره، فإنهم يمنحون الواقع القائم فرصة إضافية للاستمرار، حتى لو لم يكن ذلك قبولا به، بل نتيجة الخوف والإنهاك والعجز وتراجع الثقة.

ولا يمكن أن نتجاهل أن مظاهر الجريمة والعنف والتفكك الاجتماعي المتزايدة تطرح أسئلة قاسية حول البيئة التي نعيش فيها. فحين تضيق فرص العمل، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتآكل شبكات الأمان الاجتماعي، وتضعف الثقة بالمؤسسات، تصبح الأزمات المعيشية عاملا يزيد هشاشة المجتمع ويعمق شعوره بالانسداد. لا يعني ذلك أن الفقر وحده يفسر الجريمة، ولا أن كل عاطل عن العمل مشروع جريمة، لكن من العبث أن نتحدث عن الأمن المجتمعي بمعزل عن العدالة الاجتماعية، وأن نطالب الناس بالالتزام بالقانون فيما تتراجع قدرتهم على الوصول إلى حقوقهم، وأن نعالج النتائج الأمنية ونترك الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تتراكم دون معالجة.

إن السؤال الذي ينبغي أن يواجهنا جميعا هو .. أين الفعل الشعبي؟ وأين أدوات الضغط المدني؟ وأين العصيان المدني الذي يمكن أن يتحول إلى تعبير منظم عن رفض السياسات التي تنتج الفقر والحرمان وتغلق أبواب المستقبل؟ إن العصيان المدني ليس فوضى، وليس دعوة إلى الاعتداء على المؤسسات أو الناس، وليس بديلا عن القانون بحكم القوة، بل هو شكل من أشكال الاحتجاج السلمي المنظم، يقوم على الرفض الجماعي الواعي، وعلى المطالبة بالحقوق والمساءلة، وعلى استخدام أدوات مدنية مشروعة للضغط من أجل تغيير السياسات. وهو لا يولد من مجرد الغضب، بل يحتاج إلى وعي وتنظيم وقيادة مستقلة وبرنامج واضح ومطالب محددة، وإلى ضمان ألا يتحول إلى أداة في يد فصيل أو قيادة تسعى إلى توظيف معاناة الناس لمصلحة حساباتها الخاصة.

نحن بحاجة إلى استعادة معنى الاحتجاج، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة أن المواطن ليس مجرد متلق للقرارات، وأن الموظف ليس رقما في كشوف الرواتب، وأن العامل ليس فائضا يمكن الاستغناء عنه، وأن الفقير ليس عبئا على المجتمع، وأن الناس ليسوا مطالبين بالصمت إلى ما لا نهاية. نحتاج إلى حراك مدني سلمي يضع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في قلب النقاش الوطني، ويطالب بانتظام الرواتب وصون حقوق العاملين، ويفتح ملفات المال العام والشفافية والمساءلة، ويدافع عن الحق في العمل والحياة الكريمة، ويضع حماية غزة والقدس وسائر التجمعات الفلسطينية في صدارة المسؤوليات الوطنية. حراك لا يستهدف استبدال سلطة بأخرى، ولا استبدال وجوه بوجوه، بل يطالب بتغيير قواعد العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، بحيث تصبح السلطة خاضعة للمساءلة لا فوقها، وتصبح المؤسسات في خدمة الناس لا العكس.

لكن قبل أن نسأل لماذا لا يتحرك الشارع، علينا أن نسأل أيضا.. من الذي يستطيع اليوم أن يقود هذا الشارع؟ وأي تنظيم يحظى بثقته؟ وأي قيادة يمكنها أن تطلب منه التضحية وهي لا تقدم نموذجا مقنعا في تحمل المسؤولية؟ إن غياب الثقة ليس تفصيلا عابرا، بل هو جزء من الأزمة. فالناس لا تحتاج إلى من يطلب منها أن تغضب نيابة عنه، ولا إلى من يستثمر غضبها ليعيد إنتاج موقعه السياسي، بل تحتاج إلى إطار مدني ووطني مستقل، واضح الأهداف، خاضع للمحاسبة، لا يصادر صوت المجتمع ولا يحتكر تمثيله.

وليس من المقبول أن نواصل مطالبة الناس بالصبر فيما لا نضع أمامهم أفقا سياسيا أو اجتماعيا واضحا، ولا أن نطالبهم بالثبات فيما تتراجع شروط بقائهم، ولا أن نحدثهم عن المستقبل فيما يجري استنزاف حاضرهم. كما ليس مقبولا أن تظل القيادات تتحدث باسم الشعب من دون أن تسمع صوته، وأن تظل الفصائل تتبادل الاتهامات فيما تتسع الفجوة بينها وبين المجتمع، وأن تتحول مؤسسات الحكم إلى جزر منفصلة عن حياة المواطنين. فالشرعية لا تستمد من التاريخ وحده، ولا من الشعارات، ولا من ادعاء التمثيل، بل من القدرة على خدمة الناس واحترام حقوقهم والخضوع للمساءلة.

ربما آن الأوان لأن نراجع علاقتنا جميعا بهذا الواقع، لا أن نكتفي بتوزيع اللوم على الآخرين. السلطة مطالبة بمراجعة سياساتها، والقيادة مطالبة بمراجعة خياراتها، والفصائل مطالبة بمراجعة دورها، والمؤسسات مطالبة باستعادة ثقة الناس، والمجتمع مطالب أيضا بالخروج من دائرة التكيف السلبي مع المظالم، واستعادة حقه في السؤال والاعتراض والمطالبة والمحاسبة. لا أحد معفى من المسؤولية، ولا أحد يملك الحق في مطالبة الآخرين بالتضحية فيما يرفض هو أن يكون موضع مساءلة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب خاض معركة طويلة من أجل حريته وكرامته أن يصبح عاجزا عن الغضب من انتهاك كرامته في حياته اليومية. وأخطر ما يمكن أن تفعله السياسة بالمجتمع أن تقنعه بأن الفقر قدر، وأن الحرمان أمر طبيعي، وأن الحقوق مؤجلة، وأن الصمت حكمة، وأن الاحتجاج مغامرة لا جدوى منها. فليس المطلوب أن نغضب لمجرد الغضب، بل أن نستعيد القدرة على تحويل الغضب إلى وعي، والوعي إلى موقف، والموقف إلى فعل مدني سلمي منظم، يعيد للمجتمع مكانته بوصفه صاحب الحق والمصلحة والقرار.

لقد آن الأوان لأن نتوقف عن التعامل مع المأساة الفلسطينية باعتبارها سلسلة أزمات منفصلة، فالموظف الذي ينتظر راتبه، والعامل الذي حرم من عمله، والشاب الذي لا يجد مستقبلا، والعائلة التي تكافح لتأمين طعامها ودوائها، والغزي الذي يبحث عن مأوى وحياة، والمقدسي الذي يقاوم سياسات الاقتلاع والتضييق، جميعهم يقفون في قلب سؤال وطني واحد .. أي مشروع وطني هذا الذي لا يستطيع أن يحمي شروط حياة أبنائه، وأي قيادة هذه التي لا تسمع أنين مجتمعها، وأي مجتمع هذا الذي يستطيع أن يتعايش مع كل هذه المظالم دون أن يستعيد حقه في الاعتراض؟

لسنا بحاجة إلى مزيد من الخطب، ولا إلى بيانات جديدة عن الصمود، ولا إلى مهرجانات تتكرر فيها الشعارات ذاتها. نحن بحاجة إلى مساءلة حقيقية، وإلى سياسة مختلفة، وإلى مؤسسات تستعيد وظيفتها العامة، وإلى حركة وطنية تعود إلى المجتمع لا إلى امتيازاتها، وإلى مواطن يدرك أن حقوقه لا تسقط بالتقادم، وأن كرامته ليست بندا قابلا للتفاوض، وأن صمته لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لمن يحكمه.

فإلى متى سيظل الفلسطيني يغضب من التفاصيل الصغيرة، ويصمت أمام المظالم الكبرى؟ وإلى متى سيظل الفقر يطرق الأبواب، والحرمان يتسع، والرواتب تتأخر، والبطالة تنهش حياة الناس، والاحتلال يواصل سياساته، فيما تستمر الحياة السياسية في إنتاج الخطاب نفسه والوجوه نفسها والأعذار نفسها؟ متى يدرك الجميع أن الصبر ليس بديلا عن الحقوق، وأن الصمود لا يعني الاستسلام، وأن الوطنية لا تعني تعطيل النقد، وأن المجتمع الذي لا يطالب بمحاسبة من يدير شؤونه يترك مصيره معلقا بإرادة أصحاب القرار؟

إن القضية لم تعد فقط فيمن يظلمنا، بل في قدرتنا على رفض الظلم، وفي استعدادنا لاستعادة المجال العام من الخوف واللامبالاة والعجز. وحين يصبح العصيان المدني تعبيرا عن وعي المجتمع بحقوقه، لا مجرد شعار يرفع في لحظة غضب، يمكن أن يبدأ نقاش جدي حول استعادة الفعل الشعبي. أما أن نظل نراقب انهيار شروط حياتنا، ونكتفي بوصف المشهد، ثم نعود إلى يومياتنا وكأن شيئا لم يحدث، فذلك هو السؤال الأكثر قسوة الذي ينبغي أن نواجه أنفسنا به. فالشعب الذي لا يجد في غضبه طريقا إلى الفعل، يظل معرضا لأن يتحول وجعه إلى عادة، ومظالمه إلى مشهد مألوف، ومستقبله إلى انتظار طويل لا يعرف أحد متى ينتهي.