آراء

*رصاصات غدر في خاصرة الكرك.. بيت الله في "حمود"

16 مشاهدة قراءة 5 دقيقة

الكاتبة : أسماء ناصر أبو عياش 

ليس غريبًا على الكرك أن تظل بالقلب شموخًا ونخوة وإيثارًا. ليس غريبًا أن يضمخ قانيها الزكي  ضفتيّ أردنها. ولأنها كذلك وأكثر استهدفتها أيادي الغدر بفاجعة هزت الوطن، أيادٍ ملطخة بالغدر وقلوب عم الظلم والظلام أركانها واستوطن الحقد ضمائرها باستهدفها كنيسة القديس "جاورجيوس" في قرية حمود الوادعة،من قبل مسلحين استغلوا لحظة حزن وتراتيل جنائزية وتوجُّه الأكفّ وتضرّع القلوب بالدعاء لوداع راحلة، ليحصدوا بلا رحمة أرواحًا بريئة أسلمت وجهها لله في بيت الله! لتتحول باحات كنيسة "جاورجيوس" في لحظة غفلة من ضمير إلى مجزرة تحصد أرواحًا بريئة كانت لها أحلام بغدٍ وضّاء وعناق أحبةٍ، لحظة شيطانية وصل بفاعليها الانحدار مبلغًا حين تمترس الفعل خلف أوهام مظلمة.
لم يستهدف القتلة الأرواح البريئة التي كانت ترتل تراتيل العزاء، بل استهدفوا المعنى الأعمق لوجودنا؛ استهدفوا جوهر السلام والرجاء والتضرع  في بيوت الله. إن مشهد الدم في تلك اللحظة الدموية في الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026 ليس مجرد جريمة اقترفها ثلاثة أشقياء، بل إنها منظومة فكرية تكفيرية مستلبة الضمير ومغيبة الوعي ومحجورة الفكر.

حين باغت الرصاص الحاقد جموع الآمنين على عتبات الطمأنينة، وحين استبيح حزن المشيعين بسلاح العبث الأعمى، صمتت الكلمات إلا من وجعها العاري، ما جرى في قرية "حمود" الكركية، حيث تداخلت دموع المشيعين بدماء الشهداء والجرحى وعلا أزيز رصاص الحقد الأسود على رنيم أجراس كنيسة القديس "جاورجيوس"، لم تكن الجريمة مجرد خرق أمني عابر في مجالات القرى الوادعة، بل كانت طعنة نجلاء في خاصرة إنسانيتنا، وتجلّياً فجّاً لخواء الروح حين تستبدل الحياة بالموت والنور بالعتمة التكفيرية.
وسط هذا الدم الزكي المراق تجلت الكرك والأردن بكليتها... مليكها ونشاماها، لم تكن الفزعة طائفية ولا هيكلية، بل كانت أردنية إنسانية صميمة أصيلة تسامت على الفئوية والطائفية المدّعاة، فزع الأردن بكل أطيافه معلنًا أن الدم المراق دم أردني عروبي أقوى من الغدر والفكر التكفيري. لم تكن الفزعة مجرد استجابة آنية بل كانت بيانًا بليغًا ينبض بالانتماء الحق، فزعة رسمت خريطة بدماء الأردنيين على عتبات الكنيسة،خريطة وطن أصلب من أن تنال منه رصاصات الغدر.
‌لم تكن رصاصات "حمود" مجرد صوت طارئ، بل جرس إنذار ينبئ ويدعو  لثورة فكرية لا تهاب النبش في المحظور، جرس لا يساوم ويعمل على تفكيك ثقافة القطيع، يدعو إلى استعادة الروح الإنسانية الحقيقية للدين والثقافة، لا يتنكر للهوية والقيم السامية بل يكرس التسامح والقبول بالاختلاف وتشرعن الغاء الآخر وتكفيره تحت غطاء الأدلجة الضيقة. فالمناعة الحقيقية لا تبنى بالوراثة أو بالخطابات الموسمية بل تبنى بالنقدالجذري وبناء عقل نقدي حر يرفض الوصاية الفكرية ، عقل لا يخشى الاشتباك مع الأسئلة الصعبة الشائكة والاكتفاء بالحفظ والتلقين.
حمى الله الأردن صرحًا عروبيًا منيعًا والرحمة والسلام للشهداء.