الكاتب : عيسى قراقع
تستمر الإبادة الإسرائيلية، وبأشكال أخرى، لتصل إلى أعماق طبقات الأرض والوعي والذاكرة. إنها الحرب الممنهجة على الصروح والجداريات وصور الشهداء والرموز الوطنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فمنذ بداية عام 2026، وحسب بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، تم الاعتداء على أكثر من ستة وعشرين نصبًا وجدارية وميدانًا، وهدمها وتدميرها على أيدي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين. إنها حملة شاملة وواسعة ومعلنة تستند الى بنك أهداف يصل إلى خمسين نصبًا وصرحًا، وفقا ما صرّحت به المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وتستهدف الوجود الرمزي للذاكرة الفلسطينية في الفضاء العام.
الجرافة الإسرائيلية الحديدية تحارب الذاكرة الحجرية، وتغتال الأسماء مرة أخرى، بعد أن اغتيلت الأجساد. اقتحام مدرّع لطمس المعالم التاريخية، ومحاولة لتشكيل المشهد البصري وفق رواية واحدة، وسياسة مكثفة لإدارة الغياب، واغتيال للشاهد المادي الذي يفضح الجريمة ويهدد الرواية الإسرائيلية بالأصالة والوجود.
الجرافة الإسرائيلية في بيرزيت ونابلس والجلزون والقدس ورام الله والبيرة وقلنديا ومادما وعزموط واريحا وترمسعيا وكفر مالك والمغير، وفي بورين وجنين والسيلة الحارثية وروجيب وبيتا وأبو فلاح وبيت فوريك والخليل، تجرف وتدمّر أماكن الذاكرة تلك التي تمثل الرابط الوجداني بين الإنسان وتاريخه وذكرياته، وبين الحاضر والماضي والمستقبل. إنها حرب على الوعي والانتماء، لتحويل التاريخ إلى عدم وفراغ.
حكومة الاحتلال تعتقد أن الشهيد يعيش في النصب الذي يحمل اسمه، وأنه يخرج كل ليلة من الجدارية ليقاوم الاحتلال، وأن هدم هذا النصب يعني غيابه إلى الأبد عن الحياة، وألّا يُترك أي أثر لمن بقي من الأحياء. وتعتقد أن السيطرة على المكان وإعادة هندسته لا تتمان إلا من خلال محو وإزالة كل المعاني التي تربط الإنسان الفلسطيني بهذا المكان، وإسكات صوته الاتي من الماضي، وشلّ قدرته على الكلام في الحاضر.
الجرافة التي تخاف من الموتى وتتقدم نحو صرح الشهيد ليست مجرد آلة ثقيلة؛ إنها فكرة تحاول أن تقنع التاريخ بأن ما لا تراه العين لم يعد موجودًا. تتقدم بجنازيرها، وترفع ذراعها المعدنية، وتضرب الحجر الذي يحمل اسم شهيد، فتتساقط الحجارة وتبقى القضية واقفة. عندها عرفت هذه الجرافة العمياء لماذا يخاف الأقوياء من أسماء الموتى.
الجرافة الإسرائيلية تمزّق الصور والأضرحة، وتمارس الإبادة الثقافية والمعرفية. فالجرافة هي العقل الإسرائيلي المرتعب من الحكاية والسردية الفلسطينية التي تمنحهما النصب شكلًا مرئيًّا، وتنقلان الذاكرة من الأرشيف إلى الحياة اليومية وإرادة المقاومة، ومن المعرفة المجردة إلى التجربة الملموسة التي يراها الناس في الشوارع والساحات ومداخل المدن والقرى والمخيمات؛ حكايات وتضحيات يحفظونها في اللغة، وفي الأغنية، وفي الأسماء التي تتناقلها الأجيال وتحميها من الاندثار.
الجرافة الحديدية التي تلاحق وتقصف أسماء الشهداء المحفورة على الحجر وجدار الوعي، تحوّلت إلى جرافة للإبادة الأكاديمية والتربوية. ونراها تشطب وتمسح بأسنانها الفولاذية والأيديولوجية، مستهدفة أسماء الرموز الوطنية والأماكن التاريخية في المناهج التعليمية الفلسطينية. إنها الإبادة بالنسيان، وإبادة التراث الروحي والثقافي والحضاري، والزمن الجماعي والإنساني للشعب الفلسطيني. وقد أصبحت هذه الجرافة هي الصاروخ والقنبلة اللذين دمّرا غزة وتراثها العريق من متاحف وجامعات ومكتبات وكنائس ومساجد ومؤسسات ومقابر ومواقع أثرية وأرشيفات، وقتلا المئات من العلماء والكتّاب والفنانين. إنه تدمير ومحو للذاكرة الوطنية الجماعية، وتفكيك للهوية.
الذاكرة الفلسطينية ذاكرة عنيدة، أقوى من الجرافات؛ فهي تعيش في الأسماء، وفي قصص الجدّات، وفي دفاتر الشعراء، وفي عيون الأطفال الذين يرون في الشهيد بطلًا لا يُهزم ولا يختفي.

