آراء

تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية بين الرفض والتأييد

3 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : الصحفي أحمد عثمان جلاجل

لم يكن قرار تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية مجرد إجراء سياسي عابر، بل أعاد إلى الواجهة واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية في المشهد الفلسطيني: إلى متى سيبقى المواطن الفلسطيني ينتظر ممارسة حقه الديمقراطي في اختيار ممثليه، وتجديد الحياة السياسية والمؤسسات الوطنية عبر صناديق الاقتراع؟

فبعد أن كان من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، صدر في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر مرسوم رئاسي بإلغاء الموعد السابق، والدعوة إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2027. وجاء القرار في ظل ظروف سياسية وأمنية وميدانية معقدة، وفق المبررات التي أعلنتها الجهات الفلسطينية الرسمية.

بين مبررات التأجيل وحق المواطن ..

يرى المؤيدون لقرار التأجيل أن إجراء الانتخابات في ظل الظروف الراهنة يواجه تحديات حقيقية، تتعلق بالأوضاع الأمنية في قطاع غزة، والقيود المفروضة على الحركة والعمل الانتخابي، وصعوبة ضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس الشرقية وقطاع غزة والضفة الغربية بصورة متكافئة. كما يطرح هؤلاء ضرورة توفير بيئة تضمن نزاهة العملية الانتخابية، وحرية الدعاية والتنافس، وقدرة المرشحين والناخبين على ممارسة حقوقهم دون تهديد أو قيود.

ومن هذا المنطلق، يعتبر المؤيدون أن الانتخابات ليست مجرد عملية اقتراع تُجرى في موعد محدد، وإنما استحقاق وطني يحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية وقانونية تتيح مشاركة الفلسطينيين كافة، وتحول دون تكريس واقع الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن في المقابل، يطرح الرافضون للتأجيل سؤالًا جوهريًا: هل يمكن أن تبقى الظروف الاستثنائية سببًا متكررًا لتأجيل الاستحقاقات الديمقراطية، دون أفق واضح لإنهاء حالة الانتظار؟

فقد مضت سنوات طويلة على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، التي جرت عام 2006، فيما أُجلت الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها عام 2021. ويخشى المعارضون للتأجيل أن يؤدي تمديد المواعيد إلى تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية، وإلى استمرار حالة الجمود التي تحتاج إلى معالجة وطنية جادة.

القدس في قلب المعركة الانتخابية ..

لا يمكن الحديث عن الانتخابات الفلسطينية دون التوقف عند مدينة القدس، التي تشكل جوهر القضية الوطنية ورمزها السياسي والوطني والديني. فمشاركة المقدسيين في الانتخابات ليست تفصيلًا إجرائيًا يمكن تجاوزه، بل حق سياسي مرتبط بمكانة المدينة ومستقبلها.

وقد شكّلت القيود الإسرائيلية على المشاركة الانتخابية في القدس أحد أبرز أسباب الخلاف في التجارب الانتخابية السابقة، كما أشارت الجهات الفلسطينية الرسمية إلى معوقات تتعلق بعمل لجنة الانتخابات والمراقبين في القدس وغزة.

ومن هنا، فإن التحدي لا يكمن فقط في تحديد موعد جديد للاقتراع، بل في كيفية ضمان مشاركة المقدسيين بحرية، وتمكينهم من اختيار ممثليهم، وعدم السماح للقيود المفروضة على المدينة بأن تتحول إلى عقبة دائمة أمام ممارسة حقوقهم السياسية.

فالقدس التي تتعرض يوميًا لتحديات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتواجه فيها المؤسسات الوطنية والمجتمعية صعوبات متزايدة، تحتاج إلى تمثيل سياسي فاعل يعبر عن هموم أهلها واحتياجاتهم، ويدافع عن حقوقهم الوطنية والمدنية.

هل يكون التأجيل فرصة للحوار أم تعميقًا للأزمة؟ ..

بين الرفض والتأييد، تبرز الحاجة إلى حوار وطني فلسطيني مسؤول، لا يقتصر على تبادل الاتهامات بشأن قرار التأجيل، بل يتناول جذور الأزمة السياسية وأسباب استمرار الانقسام، وسبل استعادة الثقة بالمؤسسات الوطنية.

فالمطلوب من القوى والفصائل الفلسطينية أن تتعامل مع الموعد الجديد باعتباره التزامًا يحتاج إلى خطوات عملية، لا مجرد تاريخ آخر يضاف إلى سلسلة المواعيد المؤجلة. ويشمل ذلك الاتفاق على ضمانات واضحة للعملية الانتخابية، وتوفير شروط التنافس الحر، واحترام نتائج الصندوق، والعمل على تهيئة الظروف التي تتيح مشاركة الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم ضمن النطاق الذي تحدده القوانين والأنظمة الانتخابية.

كما أن تأجيل الانتخابات التشريعية بالتزامن مع الرئاسية يفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وضرورة تجديد شرعية المؤسسات، وتفعيل دور المجلس التشريعي، وتعزيز مبدأ المساءلة، وإتاحة المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة في صنع القرار الوطني.

المواطن ينتظر الإجابة ..

إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بمن يؤيد التأجيل ومن يرفضه، بل بقدرة النظام السياسي الفلسطيني على تحويل هذا الخلاف إلى فرصة لمعالجة أزماته المتراكمة.

فالمؤيدون للتأجيل يستندون إلى صعوبة الظروف وضرورة توفير انتخابات حرة وشاملة، فيما يحذر الرافضون من أن استمرار التأجيل يضعف الثقة بالمؤسسات ويؤخر تجديد الحياة الديمقراطية. وبين الموقفين، يبقى المواطن الفلسطيني صاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه ومحاسبتهم.

إن الانتخابات ليست غاية شكلية، ولا ينبغي أن تتحول إلى وعد مؤجل باستمرار؛ فهي وسيلة لتجديد الشرعية، وترسيخ المشاركة السياسية، وتعزيز الوحدة الوطنية. وإذا كانت الظروف الراهنة تفرض تحديات أمام إجرائها، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي العمل الجاد لإزالة هذه العقبات، وتحديد خطوات واضحة تضمن عدم تكرار التأجيل.

ويبقى السؤال الذي ينتظر الفلسطينيون إجابة عملية عنه: هل يشكل الموعد الجديد بداية فعلية لاستعادة الحياة الديمقراطية، أم ستظل الانتخابات رهينة الظروف والخلافات السياسية؟

الإجابة لن تكون في البيانات والتصريحات وحدها، بل في مدى الالتزام بإرادة الشعب الفلسطيني وحقه في اختيار ممثليه بحرية، وفي بناء مؤسسات وطنية تستمد شرعيتها من المواطنين، وتعبّر عن تطلعاتهم في الحرية والوحدة والاستقلال.