الكاتب : يونس العموري
ربما وصلنا الى اللحظة التي ينبغي فيها ان نخاف من شيء اخر غير الاحتلال والانقسام والحصار والاستيطان وتآكل الارض وضيق الحياة. ربما ينبغي ان نخاف من ان يصبح الشعب نفسه غير معني بمن يتحدث باسمه. هذه ليست جملة عابرة، ولا مبالغة في وصف واقع فلسطيني مثقل بكل شيء. فبينما تتكاثر على الفلسطينيين الاسئلة والاخطار، من غزة التي ما زالت جرحا مفتوحا، الى الضفة التي يلتهمها الاستيطان والاقتحام والاعتقال ومصادرة الارض، الى القدس المحاصرة، الى الشتات الذي طال انتظاره، تبدو القوى التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها حاملة المشروع الوطني عاجزة عن تقديم اجابة تقنع الناس بانها ما زالت قادرة على حمل هذا العبء.
المشكلة لم تعد فقط في الاحتلال الذي يضغط على الفلسطيني من الخارج، وانما في منظومة سياسية تبدو وكأنها فقدت كثيرا من قدرتها على انتاج الامل من الداخل . وهنا يصبح السؤال موجعا الى الحد الذي قد لا تحب الفصائل سماعه .. ماذا لو كان الشعب قد بدأ يتخلى عن الفصائل قبل ان تتخلى الفصائل عن عاداتها القديمة؟
ثمة مسافة تتسع بين الجماهير الفلسطينية وبين القوى التي احتلت طوال عقود موقع الوسيط بينهم وبين قضيتهم . مسافة لا تصرخ، ولا تعلن نفسها في مؤتمر صحفي، ولا ترفع راية مضادة، لكنها تظهر في البرود، وفي اللامبالاة، وفي انحسار الحماسة، وفي ذلك السؤال الذي لم يعد يقال كثيرا لانه ربما لم يعد يحتاج الى جواب... ماذا ستفعلون انتم؟ لقد جرب الفلسطيني بياناتكم، واجتماعاتكم، ومؤتمراتكم، ووعود المصالحة، وخطابات الوحدة، وشعارات المقاومة، ومشاريع التسوية، وانتخابات تؤجل وتعود لتؤجل، واصلاحا يبقى اصلاحا على الورق، وانقساما صار له من العمر ما يكفي ليصبح جزءا من المشهد اليومي. جرب كل ذلك، ثم وجد نفسه في المكان نفسه تقريبا، لكن بقدرة اقل على الاحتمال، وبارض اقل، وواقع اشد قسوة، وافق سياسي اكثر ضيقا.
وهنا لا تعود المسألة انتخابات فقط، ولا يصح اختزالها في سؤال من يفوز ومن يخسر. الانتخابات في هذه الحالة تصبح مرآة صغيرة لشيء اكبر بكثير . ماذا لو كان الفلسطيني قد فقد الرغبة في منح ثقته لمن يطلبها باسمه القديم وبرنامجه القديم وقيادته القديمة؟ ماذا لو كان العزوف الشعبي ليس فراغا سياسيا، بل امتناع عن منح الشرعية المتجددة لبنية سياسية لم تعد تقنعه بقدرتها على تغيير شيء؟ وماذا لو كان الشعب لا يعاقب فصيلا بعينه، بل يرسل رسالة الى الجميع .. لقد تعبنا منكم جميعا؟
لقد تغير الفلسطيني، لكن الفصائل لم تتغير بالسرعة نفسها. تغيرت المنطقة، وتغيرت موازين القوة، وتغيرت ادوات الحرب والاتصال والتأثير، وتغير وعي الاجيال الجديدة، وتبدلت خرائط الاقليم وتحالفاته، وانكشف الكثير مما كان مخفيا خلف الخطابات، بينما ظلت السياسة الفلسطينية في مساحات واسعة تدور حول الاسماء ذاتها والعقلية ذاتها. ما زال الفصيل يتصرف كما لو ان الراية وحدها تكفي، وكأن التاريخ يمنحه رصيدا لا ينفد، وكأن الجماهير ترث الولاء كما ترث الارض والاسم. ما زالت الازمة عند كثيرين تحتاج الى اجتماع، والاجتماع يحتاج الى لجنة، واللجنة تحتاج الى بيان، والبيان يحتاج الى انتظار، ثم يعود الجميع الى مواقعهم، فيما الواقع في الخارج لا ينتظر احدا .
المفارقة ان بعض القوى ما زالت تتعامل مع الشعب بوصفه جمهورا ينبغي استدعاؤه عندما تحتاج الى المشروعية، ثم اعادته الى مقاعد المتفرجين عندما تنتهي الحاجة اليه. الشعب مطلوب منه ان يصبر، وان يفهم، وان يتحمل، وان يضحي، وان يثق، وان يمنح الفرصة تلو الفرصة. اما حين يسأل عن النتائج، فيُقال له ان الظروف صعبة. وحين يسأل عن الوحدة، يُقال له ان الخلافات معقدة. وحين يسأل عن الانتخابات، يُقال له ان الظروف غير مناسبة. وحين يسأل عن الاصلاح، يُقال له ان الوقت غير مناسب. وحين يسأل عن المستقبل، يُطلب منه ان ينتظر. حتى اصبح الفلسطيني في كثير من الاحيان يبدو كأنه الطرف الوحيد الذي لا يملك حق تحديد موعد انتهاء الانتظار.
ولعل اكثر ما يكشف عمق الازمة ان الحديث عن الانتخابات لم يعد دائما حديثا عن حق الناس في اختيار من يمثلهم، وانما اصبح في بعض الخطابات حديثا عن كيفية ادارتها وضبط نتائجها السياسية قبل ان تبدأ. وقد يكون اخطر ما وصل الى مسامع الناس، ولو من باب التقدير او التخوف، ان هناك من لا يريد مشاركة شعبية واسعة في الانتخابات العامة، بل يفضل لها مشاركة في حدودها الدنيا حتى لا تهتز المواقع التقليدية وحتى تبقى ما تسمى اركان الحركة الوطنية واقفة في اماكنها. اذا صح هذا التفكير، فنحن امام مفارقة لا يمكن المرور عليها بسهولة.. انتخابات بلا جمهور كاف، شرعية بلا حماسة شعبية، ومشهد ديمقراطي يراد له ان يؤدي وظيفته الشكلية من دون ان يسمح للشعب بأن يقول كلمته كاملة.
وهنا يصبح السؤال اكثر قسوة .. منذ متى اصبح انخفاض المشاركة الشعبية حماية للحركة الوطنية؟ ومنذ متى صار المطلوب من الشعب ان لا يشارك كثيرا حتى لا تتغير موازين القوى؟ اليس هذا اعترافا ضمنيا بان المشاركة الشعبية الواسعة قد تكون خطرا على بعض البنى السياسية القائمة؟ واذا كان الامر كذلك، فلماذا نحتاج الى انتخابات اصلا؟ لماذا لا نختصر الطريق ونبقي كل شيء كما هو، ونوفر على الناس عناء الذهاب الى الصناديق، وعلى القوى السياسية عناء اكتشاف حجمها الحقيقي؟
الانتخابات التي تخاف من الشعب ليست انتخابات بالمعنى السياسي، بل اجراء لحماية توازنات سياسية. والشرعية التي تخشى من اصوات الناس ليست شرعية مكتملة، بل شرعية تبحث عن جمهور قليل حتى لا تسمع جوابا كثيرا. لا يمكن ان تطلب من الفلسطيني ان يدافع عن الديمقراطية حين تكون النتائج مريحة، ثم تخيفه منها حين تصبح احتمالات التغيير حقيقية. ولا يمكن ان يقال له ان صوته مقدس، ثم يجري التفكير مسبقا في كيفية تقليل عدد الذين يستخدمون هذا الصوت حتى تبقى الخريطة السياسية كما هي.
والحقيقة ان هذه المفارقة تكشف شيئا اعمق .. ربما لم تعد بعض القوى تخشى الاحتلال وحده، بل تخشى ايضا الشعب حين يتحرك خارج الحسابات المعروفة. تخشى جيلا لا يعرف لماذا ينبغي ان يرث ولاء ابيه، وشابا لا يرى في الفصيل مشروعا لمستقبله، وامرأة لا تريد ان تسمع الخطاب نفسه، وناخبا لا يجد سببا كافيا ليضع الورقة في الصندوق من اجل اعادة انتاج النتيجة القديمة. وهنا يتحول المواطن من مصدر الشرعية الى متغير مزعج في المعادلة.
فصائل الحركة الوطنية، على اختلاف مواقعها وبرامجها وتاريخها، وصلت الى امتحان لا تستطيع البيانات تجاوزه. هناك من استنفد رصيده في السلطة، وهناك من استنفده في المعارضة، وهناك من استنفده في المقاومة، وهناك من استنفده في الشعارات. هناك من حكم ولم يقدم نموذجا يقنع الناس، ومن عارض حتى اصبح الاعتراض عنده بديلا عن الفعل، ومن رفع سقف المقاومة من دون ان يستطيع دائما تقديم افق سياسي واضح، ومن تمسك بخيار سياسي حتى ضاق افقه الى درجة لم يعد يرى فيها الفلسطيني سوى المزيد من الانتظار. وبين هؤلاء جميعا بقي الشعب يدفع، ويصبر، ويتحمل، ثم يسمع في كل مرة ان المشكلة في الظروف، وكأن الظروف وحدها هي التي صنعت كل هذا العجز.
حتى القوى التي بنت جزءا من مشروعها على الدين او المقاومة او فكرة التحرير ليست فوق السؤال. لا راية تمنح حصانة، ولا تاريخ يمنح حصانة، ولا تضحيات تمنح حصانة، ولا شرعية سابقة تمنح حصانة الى الابد. من حق الكل الجماهيري ان يسأل كل قوة سياسية .. ماذا فعلتم بالقضية؟ ماذا فعلتم بالشعب؟ ماذا فعلتم بهذا العمر الفلسطيني الذي يذهب بين الحرب والحصار والانقسام والفقر والخوف والهجرة والانتظار؟ وهل يكفي ان نقول للناس اننا نقاوم حتى لا يحق لهم السؤال عن الثمن والنتائج والافق؟
وفي الجهة الاخرى لا تستطيع القوى التقليدية ان تعيش الى الابد على رصيد تاريخها. التاريخ ليس صك ملكية للحاضر. منظمة التحرير ليست متحفا سياسيا، وفتح لا تستطيع ان تجعل من تاريخها بديلا عن حاضرها، واليسار لا يستطيع ان يقدم نفسه باعتباره ضمير القضية فيما هو عاجز عن استعادة موقعه الحقيقي بين الناس. كل فصيل يطلب من الشعب ان يحترم تاريخه عليه ان يسأل نفسه اولا .. ماذا قدم لهذا الشعب اليوم؟ فالفلسطيني ليس مطلوبا منه ان يكون وفيا الى الابد لاسماء لم تعد قادرة على مخاطبة واقعه.
المشكلة، اذن، ليست ان الشعب الفلسطيني فقد قضيته. هذا استنتاج كسول ومريح للقوى السياسية. الفلسطيني الذي يعيش الاحتلال والحصار والاستيطان والتهجير لا يحتاج الى فصيل حتى يذكره بفلسطين. القضية في بيته، وفي ارضه، وفي خوفه، وفي ذاكرته، وفي حياته اليومية. وربما لهذا السبب تحديدا ينبغي ان نتوقف عن تفسير العزوف باعتباره ضعفا في الوطنية. ربما الشعب لم يعزف عن فلسطين، بل عزف عن الطريقة التي تقدم بها الفصائل فلسطين. لم ينس القضية، لكنه ربما لم يعد يصدق ان الطريق اليها يمر بالضرورة عبر هذه البنى السياسية كما كانت قائمة.
وربما يكون هذا هو الاخطر. فالهزيمة الانتخابية يمكن علاجها، وخسارة مقعد يمكن تعويضها، وسقوط قيادة يمكن ان تنتج قيادة اخرى. اما حين يتحول الفصيل الى شيء لا يعني كثيرا للناس، وحين تصبح الراية مجرد لون في شارع مزدحم، وحين يمر البيان من امام المواطن فلا يلتفت، وحين يصبح حضور التنظيم وغيابه متقاربا في الاثر، فهذه ليست ازمة انتخابية. هذه بداية فقدان الوظيفة السياسية.
لقد اعتادت القوى الفلسطينية ان تخشى الفراغ، لكنها لم تسأل بما يكفي عن الفراغ الذي صنعته بنفسها. حين تفشل في تمثيل الناس، يظهر فراغ. وحين تفشل في تجديد خطابها، يظهر فراغ. وحين تجعل الانقسام مؤسسة، يظهر فراغ. وحين تؤجل الانتخابات كلما خافت من نتائجها، يظهر فراغ. وحين يصبح الاصلاح شعارا دائما بلا اصلاح حقيقي، يظهر فراغ. وحين تتحول السياسة الى ادارة للواقع بدلا من تغييره، يظهر فراغ. ثم يأتي الجميع ليحذر من خطورة الفراغ، وكأن الفراغ هبط من السماء ولم تصنعه ايديهم.
والسؤال الذي ينبغي ان يطارد هذه القوى ليس لماذا يعزف الشعب عنها، بل ماذا فعلت حتى صار العزوف ممكنا ومقبولا؟ كيف وصلنا الى زمن يمكن فيه لفلسطيني ان يسمع اسم فصيل عاش معه عقودا فلا يشعر بشيء؟ وكيف وصلنا الى مرحلة يصبح فيها الحديث عن الانتخابات مقرونا بالخوف من المشاركة الشعبية الواسعة؟ وكيف اصبح الحفاظ على اركان الحركة الوطنية يعني عند البعض الحفاظ على ضعف المشاركة حتى لا تتغير الاركان؟
اذا كانت هذه هي المعادلة، فربما تكون الحركة الوطنية بحاجة الى شيء اكثر من اعادة ترتيب بيتها. ربما هي بحاجة الى اعادة اكتشاف صاحب البيت نفسه. الشعب. لا بوصفه خزانا للاصوات، ولا جمهورا للبيانات، ولا مصدرا للتضحيات، ولا حشدا يصفق حين تطلب منه القيادات التصفيق،
وانما بوصفه صاحب الحق في ان يقول من يمثله ومن لا يمثله، ومن يستحق ثقته ومن استنفدها، ومن يملك مشروعا للمستقبل ومن يعيش على مخزون الماضي.
ولذلك قد يكون عزوف الناس عن الفصائل اخطر من كل هزيمة انتخابية. الهزيمة تصنع خصما، اما اللامبالاة فلا تصنع حتى خصما. انها تضع الفصيل خارج دائرة الاهتمام. وحين يصل السياسي الى هذه المنطقة، لا يعود السؤال كيف يستعيد مقاعده، بل كيف يستعيد معناه.
ربما يكون الفلسطينيون اليوم امام لحظة تاريخية لا تعني التخلي عن القضية، وانما التخلي عن احتكار الفصائل للقضية. وربما يكون الشعب قد بدأ، بصمته قبل صوته، في استرداد حقه في تعريف معنى الوطنية نفسها، ومعنى المقاومة، ومعنى التمثيل، ومعنى القيادة، ومعنى الوحدة، ومعنى الانتخابات. وفي هذه الحالة لا تكون المشكلة ان الشعب عزف عن الفصائل، بل ان الفصائل لم تسمع بعد الموسيقى الجديدة التي يعزفها الشعب.
وعندها لن يكون السؤال .. لماذا ابتعد الناس عنكم؟ بل السؤال الذي لا تريد القيادات سماعه .. ماذا فعلتم حتى اصبح الشعب لا يرى في الابتعاد عنكم خسارة؟

