الكاتب : مصطفى إبراهيم
تكشف تركيبة قائمة غادي آيزنكوت، التي اختار أن يقدّمها باعتبارها إحدى ركائز معسكر التغيير، عن مفارقة سياسية يصعب تجاهلها. فالقائمة تبدو متنوعة اجتماعياً ومهنياً، لكنها أقل تجانساً بكثير من الناحية السياسية، بل إن الحضور الواضح لليمين واليمين الديني والصهيونية الدينية فيها يطرح سؤالاً جدياً حول طبيعة البديل الذي يحاول آيزنكوت تقديمه للإسرائيليين.
فوجود عدد كبير من الشخصيات المنتمية إلى اليمين، وبينها شخصيات ترتدي "الكيباه" وتنتمي إلى التيار الديني أو الصهيونية الدينية، لا يمكن اعتباره مجرد تفصيل يتعلق بالتنوع الاجتماعي. فهذه التركيبة تعكس محاولة آيزنكوت بناء تحالف انتخابي عابر للمعسكرات التقليدية، لكنها في الوقت نفسه تجعل الحدود السياسية بينه وبين أجزاء من معسكر نتنياهو أقل وضوحاً.
وتزداد هذه الصورة وضوحاً عند النظر إلى الأسماء التي اختارها آيزنكوت. فالحضور الأمني والاستخباري في القائمة لافت؛ إذ تضم يورام كوهين، الرئيس السابق لجهاز الأمن العام "الشاباك"، إلى جانب شخصيات خدمت سابقاً في "الشاباك" و"الموساد"، فضلاً عن إليعازر شتيرن، الجنرال السابق والوزير وعضو الكنيست. ويبرز كذلك اسم كميل أبو ركن، الرئيس السابق لوحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، وهو موقع ارتبط مباشرة بإدارة السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تحت الاحتلال.
ويضاف إلى ذلك عدد من الشخصيات القادمة من المؤسسة العسكرية والأمنية وعائلات القتلى، بما يعزز صورة القائمة بوصفها قائمة تمنح وزناً كبيراً للخبرة الأمنية والعسكرية. وهذه ليست مفاجأة في حالة آيزنكوت، الذي يأتي هو نفسه من المؤسسة العسكرية ويقدم نفسه باعتباره شخصية أمنية قادرة على إدارة الدولة بصورة أكثر انضباطاً ومهنية من نتنياهو.
لكن هذا الحضور الأمني الكثيف لا يترافق، حتى الآن، مع وضوح مماثل في الرؤية السياسية تجاه الفلسطينيين. فالقائمة تجمع بين شخصيات أمنية رفيعة، وأخرى من اليمين واليمين الديني والصهيونية الدينية، وشخصيات مدنية ومهنية تفتقر إلى الخبرة السياسية والبرلمانية. وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى قدرة هذه التركيبة المتنوعة على تشكيل كتلة سياسية متماسكة، خصوصاً عندما تواجه قضايا ائتلافية حاسمة أو خلافات حول الحرب والاحتلال والفلسطينيين.
ويكتسب وجود كميل أبو ركن أهمية خاصة في هذا السياق؛ فاختيار شخصية شغلت موقعاً مركزياً في إدارة شؤون الفلسطينيين داخل المنظومة الإسرائيلية يوضح أن القائمة لا تبتعد عن الدولة الأمنية، بل تستند إليها جزئياً في تقديم نفسها للناخب الإسرائيلي. وقد يكون ذلك مفهوماً انتخابياً في مجتمع ما زالت القضايا الأمنية تحتل فيه موقعاً مركزياً، لكنه يطرح من الجانب الفلسطيني سؤالاً مختلفاً: هل يستطيع من يقدّم نفسه بديلاً لنتنياهو أن يقدّم أيضاً تصوراً مختلفاً للعلاقة مع الفلسطينيين، أم أن البديل سيظل محصوراً في من يدير المنظومة الأمنية بصورة أفضل؟
والأكثر أهمية أن هذا التداخل السياسي لا يقتصر على أعضاء القائمة، بل يمتد إلى آيزنكوت نفسه. فقد عبّر بوضوح عن رفضه إقامة دولة فلسطينية، ووصف تأييد هذا الخيار بأنه "ضرب من الهلوسة"، كما تحدث عن الفلسطينيين باعتبارهم "أعداء أشداء" لليهود منذ عقود طويلة. ولذلك يصعب التعامل مع مواقفه تجاه القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد تكتيك انتخابي لاستقطاب أصوات من اليمين.
وهذا يجعل صعود آيزنكوت مختلفاً عن الصورة التي قد تتشكل من مجرد مقارنته بنتنياهو. فكونه أكثر انضباطاً أو أقل ميلاً إلى المناورة السياسية لا يعني بالضرورة أنه يمثل بديلاً في الرؤية السياسية للصراع مع الفلسطينيين. بعبارة أخرى، قد يكون آيزنكوت بديلاً لنتنياهو في القيادة والأسلوب وإدارة الدولة، من دون أن يكون بالضرورة بديلاً له في الرؤية الأمنية والقومية تجاه الفلسطينيين.
وهذه نقطة أساسية عند قراءة استطلاعات الرأي التي تمنح آيزنكوت تقدماً على الليكود. فالتقدم الانتخابي لا يعني تلقائياً أن المجتمع الإسرائيلي يتحرك نحو اليسار أو نحو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. وربما يعكس، في جانب منه، رغبة في استبدال نتنياهو بشخصية أمنية أكثر مصداقية وقدرة على إدارة الدولة، مع الاحتفاظ بجزء كبير من التصورات التي حكمت الحرب والسياسة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.
ومن هنا تبدو عبارة "معسكر التغيير" نفسها بحاجة إلى قدر من التحفظ. تغيير ماذا تحديداً؟ الحكومة؟ رئيس الوزراء؟ طريقة إدارة الحرب؟ أم السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين؟ حتى الآن، تبدو الإجابة أكثر وضوحاً في المستوى الأول منها في المستويات الأخرى.
ولا تتعلق هذه المشكلة بقائمة "يشار" وحدها؛ فقوائم "بياحد" و"إسرائيل بيتنا" و"الديمقراطيون" تضم هي الأخرى عدداً من الوجوه الجديدة التي لا تمتلك خبرة برلمانية كافية. وهذا يعكس تحولاً أوسع داخل المعسكر المعارض، حيث تحاول الأحزاب تجديد نفسها واستقطاب شخصيات من المجتمع المدني والاحتجاجات والمؤسسات المهنية، لكنها في الوقت نفسه قد تفقد جزءاً من الخبرة السياسية التقليدية اللازمة لإدارة حكومة وائتلاف معقدين .
وفي حالة آيزنكوت تحديداً، تبدو تركيبة القائمة التي ضمت ثمانية مرشحين من قطاع الصهيونية الدينية منسجمة تماماً مع خطابه السياسي المُعلن الرافض للحقوق الوطنية الفلسطينية. وبحسب ألوف بن، رئيس تحرير "هآرتس"، فإن صورة آيزنكوت العامة القائمة على الاستقامة والمصداقية تجعل من الصعب تفسير هذه المواقف المتصلبة باعتبارها مناورة انتخابية لاستقطاب أصوات اليمين. ويرى بن أن هذه المواقف تشكل قاعدة التقاء مع نتنياهو أكثر صلابة مما قد توحي به صورة معسكر التغيير، وربما تجعل الفوارق بين الرجلين أقل اتساعاً في القضايا الأساسية المتعلقة بالصراع.
ويكتسب هذا الاستنتاج أهمية أكبر في ضوء حالة عدم الحسم التي تعكسها استطلاعات الرأي، والتي لا تمنح أياً من المعسكرين أغلبية 61 مقعداً تتيح تشكيل حكومة مستقرة. ووفق قراءة بن، قد يجد نتنياهو وآيزنكوت نفسيهما أمام خيار حكومة وحدة واسعة؛ فنتنياهو يستطيع السعي إلى معادلة تبقيه في موقع القيادة، بينما يمكن لآيزنكوت نظرياً محاولة تشكيل حكومة أقلية تستند إلى دعم الأحزاب العربية من الخارج. لكن كلا السيناريوهين قد لا يكون كافياً لإنهاء الأزمة، وقد يقودان إلى انتخابات جديدة في وقت قريب.
ومن هنا لا تبدو أزمة معسكر التغيير مرتبطة فقط بتركيبة القوائم، وإنما أيضاً بالسؤال عن قدرته على تشكيل أغلبية سياسية مستقرة. فالقوى التي يفترض أن تتعاون لإزاحة نتنياهو لا تجمعها بالضرورة رؤية سياسية موحدة، كما أن المنافسة بينها لا تدور فقط حول كيفية إسقاطه، وإنما أيضاً حول من سيقود المعسكر ومن سيكون مرشحه لرئاسة الحكومة.
ويكشف ما حدث أخيراً، كما يروي يوسي فيرتر في "هآرتس"، عن جانب من هذا التنافس. فعقب أزمة سياسية دفعت قادة الأحزاب الأربعة — آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير غولان، وأفيغدور ليبرمان — إلى إصدار بيان مشترك، اقترح غولان التقاط صورة جماعية تجمعهم. وافق آيزنكوت على الفور، بينما رفض بينيت وليبرمان الفكرة، بل أبديا تحفظاً حتى على الاجتماع بغولان في غياب مصور.
ولم يكن الخلاف متعلقاً بالصورة وحدها؛ إذ بدا أن هناك خشية من أن يؤدي ظهور القادة الأربعة معاً إلى ترسيخ موقع آيزنكوت باعتباره زعيم الكتلة والمرشح الأبرز لرئاسة الحكومة.
وتكشف هذه الواقعة أن المنافسة داخل معسكر التغيير ليست فقط حول كيفية إسقاط نتنياهو، وإنما أيضاً حول من سيحل محله. فبينيت وليبرمان، وفق رواية فيرتر، لم يكونا مستعدين للمشاركة في حدث يمكن أن يمنح آيزنكوت أفضلية رمزية بوصفه قائد المعسكر، حتى عندما كان الهدف المعلن هو إظهار وحدة القوى المعارضة.
وفي المقابل، لم يتردد آيزنكوت في الظهور إلى جانب غولان، وهو ما انعكس أيضاً على اتفاقيات فائض الأصوات؛ إذ سارع بينيت وليبرمان إلى توقيع اتفاقية بينهما، بينما وقّع آيزنكوت اتفاقية مع غولان.
وهذا التنافس يكشف جانباً آخر من هشاشة معسكر التغيير؛ فالقوى التي يفترض أن تتعاون لإزاحة نتنياهو لا تزال تتنافس في ما بينها على موقع القيادة وعلى الصورة التي ستقدمها للناخب الإسرائيلي باعتبارها البديل الحقيقي. وقد يصبح هذا التنافس أكثر حدة بعد الانتخابات، عندما تنتقل المعركة من عدد المقاعد إلى توزيع النفوذ وتحديد هوية رئيس الحكومة المقبلة.
ومن ثم، فإن مشكلة آيزنكوت لا تتمثل فقط في عدم التجانس داخل قائمته، وإنما في قدرته على قيادة معسكر أوسع لا يجمعه بالضرورة تصور سياسي موحد. فبينيت وغولان وليبرمان، فضلاً عن آيزنكوت، قد يجدون أنفسهم أمام السؤال نفسه: كيف يمكن إسقاط نتنياهو؟ لكن الإجابة عن سؤال ما الذي سيأتي بعده، ومن يقود هذا البديل، تبدو أكثر تعقيداً بكثير.
وهنا تكتسب فكرة حكومة الوحدة التي يطرحها بعض المحللين الإسرائيليين أهمية خاصة.
فإذا لم يحصل أي من المعسكرين على أغلبية تتيح له تشكيل حكومة مستقرة، فقد يصبح الخيار أمام نتنياهو وآيزنكوت هو الدخول في ائتلاف واسع، رغم الفوارق الشخصية والسياسية بينهما. لكن مثل هذا السيناريو قد لا يحل الأزمة بقدر ما يؤجلها، خصوصاً إذا بقيت القضايا الأساسية التي قسمت المجتمع الإسرائيلي من دون حل.
أما السيناريو الآخر، المتمثل في تشكيل حكومة أقلية تعتمد على دعم الأحزاب العربية من الخارج، فسيضع آيزنكوت أمام اختبار أكثر صعوبة، خصوصاً أن مواقفه تجاه إقامة الدولة الفلسطينية لا توحي حتى الآن باستعداد سياسي واضح لتغيير العلاقة مع الأحزاب العربية أو التعامل معها باعتبارها شريكاً طبيعياً في الحياة السياسية.
وهنا تكمن مفارقة أخرى: قد تكون الأحزاب العربية قادرة على لعب دور حاسم في منع عودة نتنياهو، لكنها قد تبقى في الوقت نفسه شريكاً غير مقبول بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المعسكر الذي يسعى إلى إسقاطه.
لذلك، فإن السؤال الأهم في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليس فقط ما إذا كان آيزنكوت قادراً على تجاوز نتنياهو في عدد المقاعد، وإنما ما إذا كان قادراً على تحويل هذا التفوق الانتخابي إلى مشروع سياسي متماسك وحكومة مستقرة.
والأهم من المنظور الفلسطيني: هل سيكون تغيير نتنياهو تغييراً في الشخص الذي يدير السياسة الإسرائيلية، أم تغييراً في السياسة نفسها؟ حتى الآن، تبدو المؤشرات أقرب إلى الاحتمال الأول.
الانتخابات الإسرائيلية: آيزنكوت ومعسكر التغيير.. تغيير نتنياهو أم إعادة ترتيب لليمين؟

