آراء

ورقة سياسات،،،هندسة السلام: كيف تصبح الدولة الفلسطينية جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي؟

24 مشاهدة
ورقة سياسات،،،هندسة السلام: كيف تصبح الدولة الفلسطينية جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي؟

الكاتب : د. محمد جبريني

“لا يتحقق السلام عندما يقتنع الخصوم بوجهة نظر بعضهم البعض، بل عندما تصبح البيئة التي يتخذون فيها قراراتهم دافعةً للتعاون أكثر من الصراع، وعندما تتحول التسوية من خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية.”
مقدمة: من تغيير المواقف إلى تغيير البيئة
على امتداد أكثر من قرن، انشغل الفلسطينيون والإسرائيليون بمحاولات التأثير في مواقف بعضهم البعض؛ فسعى كل طرف إلى إقناع الآخر بعدالة روايته أو بخطأ سياساته. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الصراعات الممتدة لا تنتهي عادةً بتغير القناعات الأخلاقية، بل بتغير البيئة الاستراتيجية التي تشكل حسابات الفاعلين وتعيد تعريف مصالحهم.
فالدول والحركات السياسية لا تتصرف فقط وفق ما تعتقد أنه عادل، بل وفق ما تراه متوافقاً مع أمنها ومصالحها واستقرارها. ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إقناع الفلسطينيين أو الإسرائيليين بوجهة نظر الطرف الآخر، بل في إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية والإقليمية بحيث يصبح إنهاء الصراع أكثر جدوى من استمراره.
وتستند هذه المقاربة إلى إحدى الخلاصات الرئيسة في أدبيات إدارة وتسوية الصراعات، وهي أن التسويات المستدامة تنشأ عندما يعاد تشكيل الحوافز والقيود والفرص بما يغير حسابات الأطراف، وليس فقط مواقفها المعلنة.
أولاً: حدود الانتصار التقليدي
أثبت التاريخ أن القوة العسكرية قادرة على فرض وقائع مؤقتة، لكنها نادراً ما تنتج سلاماً دائماً. كما أثبت أن كسب الرأي العام أو تغيير الإدراك السياسي، رغم أهميته، لا يكفي إذا بقيت البنى المؤسسية والاقتصادية والإيديولوجية التي تغذي الصراع على حالها.
في الحالة الفلسطينية–الإسرائيلية، لم يعد الاستيطان مجرد سياسة حكومية قابلة للتغيير، بل تحول إلى منظومة مصالح سياسية واقتصادية وديموغرافية وإيديولوجية متشابكة. وفي المقابل، أدى استمرار الاحتلال والانقسام الفلسطيني وتكرار دورات العنف إلى تكريس الشكوك المتبادلة وإضعاف فرص بناء الثقة.
لذلك فإن أي استراتيجية جادة لتحقيق السلام يجب أن تتجاوز محاولة التأثير في المواقف إلى العمل على تغيير البيئة التي تنتج هذه المواقف.
ثانياً: دروس الانتفاضة الأولى وأوسلو
مثلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى تحولاً مهماً في الإدراك الإسرائيلي والدولي للقضية الفلسطينية، وأسهمت في الاعتراف بالفلسطينيين بوصفهم شعباً يمتلك حقوقاً وطنية وسياسية.
غير أن هذا التحول لم يتحول إلى واقع مستدام بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها:
-استمرار التوسع الاستيطاني خلال العملية السياسية.
-غياب آليات دولية فعالة لضمان تنفيذ الالتزامات.
-صعود القوى الرافضة للتسوية في الجانبين.
-ضعف البناء المؤسسي الفلسطيني.
-غياب رؤية متكاملة لمعالجة قضايا الوضع النهائي وترتيبات الأمن المتبادل.
وتؤكد هذه التجربة أن تغيير الإدراك السياسي لا يكفي ما لم يترافق مع إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تحكم سلوك الأطراف.
ثالثاً: إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية
1. البيئة الدولية
يتطلب الأمر تعزيز المسار القانوني والدبلوماسي بما يرفع كلفة استمرار الاحتلال ويجعل الحفاظ على الوضع القائم أكثر صعوبة من التقدم نحو تسوية سياسية.
غير أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على الإدانة القانونية أو الرمزية، بل يجب أن يتمثل في إعادة توجيه حسابات الفاعلين السياسيين والاقتصاديين نحو اعتبار التسوية مصلحة استراتيجية طويلة المدى.
كما ينبغي ربط فرص الاندماج الإقليمي والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي بتقدم ملموس في المسار السياسي، بحيث تصبح التسوية بوابة إلى فرص أكبر للاستقرار والازدهار.
2. البيئة الإقليمية
يمتلك الإقليم دوراً محورياً في تشكيل الحوافز السياسية للطرفين. فكلما ارتبطت التسوية  بمشاريع تعاون اقتصادي وتنموي وأمني إقليمية، ازدادت الفوائد المترتبة على إنهاء الصراع.
إن إدماج الدولة الفلسطينية في منظومة إقليمية للتعاون الاقتصادي والبنية التحتية والطاقة والتجارة يمكن أن يحول السلام من تسوية سياسية محدودة إلى مشروع استقرار إقليمي واسع النطاق.
3. البيئة الفلسطينية الداخلية
لا يمكن لأي مشروع سياسي أن يكتسب المصداقية الدولية أو الإقليمية دون وجود مؤسسات فلسطينية موحدة وفعالة وقادرة على الحكم.
ويتطلب ذلك:
-تجديد الشرعيات الديمقراطية.
-تعزيز سيادة القانون والشفافية.
-إصلاح الإدارة العامة.
-توحيد المؤسسات الوطنية.
-تطوير نموذج حكم قادر على تقديم الخدمات وتحقيق التنمية.
فنجاح المشروع الوطني الفلسطيني لا يعتمد فقط على عدالة مطالبه، بل أيضاً على قدرته على بناء دولة فاعلة وقابلة للحياة.
4. غزة بوصفها مفتاح الاستقرار الفلسطيني
أصبحت غزة بعد الحرب الأخيرة محوراً مركزياً في أي رؤية سياسية مستقبلية. ولذلك فإن إعادة دمج القطاع في النظام السياسي الفلسطيني تمثل شرطاً أساسياً لنجاح أي مشروع وطني أو تسوية سياسية.
ويتطلب ذلك:
-تمكين حكومة فلسطينية واحدة من ممارسة مسؤولياتها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
-تنفيذ برامج إعادة إعمار شاملة مرتبطة بالتنمية المستدامة.
-بناء ترتيبات أمنية متفق عليها تمنع العودة إلى دوامة المواجهات المسلحة.
-تعزيز الوحدة المؤسسية والقانونية بين شطري الوطن.
فمن دون معالجة قضية غزة ضمن إطار وطني شامل، ستظل أي تسوية سياسية عرضة للاهتزاز وعدم الاستقرار.
5. البيئة الأمنية
يشكل الأمن أحد أكثر الملفات حساسية لدى الطرفين. ولذلك فإن أي رؤية واقعية للسلام يجب أن تتضمن ترتيبات أمنية موثوقة تضمن أمن الفلسطينيين والإسرائيليين معاً، وتمنع عودة العنف والصراع المسلح.
فالأمن ليس مطلباً إسرائيلياً فحسب، بل مصلحة فلسطينية أيضاً، لأن بناء الدولة والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي تتطلب جميعها بيئة آمنة ومستقرة.
رابعاً: إدارة الفاعلين المعطلين للتسوية
لا تنشأ التسويات السياسية في فراغ، بل تواجه دائماً أطرافاً ترى في السلام تهديداً لمصالحها أو لرؤيتها الأيديولوجية.
وفي الحالة الفلسطينية–الإسرائيلية، يمكن أن تشمل هذه الأطراف:
-قوى الاستيطان والتطرف القومي والديني الرافضة لأي انسحاب أو تسوية.
-قوى الإسلام السياسي التي ترى في التسوية السياسية تهديداً لمشروعها أو شرعيتها.
-بعض القوى الإقليمية التي تستفيد من استمرار حالة الصراع والاستقطاب.
ولذلك فإن نجاح أي عملية سياسية لا يتوقف على دعم المؤيدين لها فحسب، بل يعتمد أيضاً على القدرة على احتواء المعطلين وتقليص قدرتهم على إفشال مسار التسوية من خلال أدوات سياسية وقانونية وأمنية ومجتمعية فعالة.
خامساً: من حل الدولتين إلى هندسة التعايش المستدام
لا يزال حل الدولتين يشكل الإطار الدولي الأكثر قبولاً، إلا أن التحولات التي شهدتها الأرض الفلسطينية خلال العقود الماضية تفرض التفكير بمرونة أكبر في أشكال التطبيق وآلياته.
فالسؤال الاستراتيجي لم يعد يقتصر على شكل الحل، بل على كيفية بناء نظام سياسي يضمن للفلسطينيين الحرية والسيادة والكرامة، ويوفر للإسرائيليين الأمن والاستقرار، ويمنح المنطقة فرصاً أكبر للتعاون والتنمية.
وقد تتخذ الإجابة أشكالاً متعددة، تشمل ترتيبات تعاونية أو كونفدرالية أو أطر إقليمية مبتكرة، لكن معيار النجاح الحقيقي يظل قدرة أي صيغة على تحويل المصالح المتعارضة إلى مصالح مشتركة مستدامة.
سادساً: الانتخابات كأداة ضمن مشروع أوسع
تمثل الانتخابات محطة مهمة في إعادة بناء الشرعية السياسية، لكنها ليست العامل الحاسم بمفردها.
ففي إسرائيل، لا يكفي تغيير الحكومات إذا بقيت البيئة السياسية والاجتماعية تدفع نحو إدارة الصراع بدلاً من حله.
وفي فلسطين، لا تكفي الانتخابات لتجديد الشرعية إذا لم تكن جزءاً من مشروع وطني شامل يعالج الانقسام ويحدد أهدافاً سياسية واضحة ومتفقاً عليها.
ومن ثم، ينبغي النظر إلى الانتخابات باعتبارها إحدى أدوات إعادة بناء البيئة السياسية، لا بديلاً عن مشروع وطني واستراتيجي متكامل.
خاتمة: الدولة الفلسطينية كركيزة للاستقرار الإقليمي
تشير التجارب التاريخية إلى أن الصراعات الكبرى لا تنتهي عندما ينتصر طرف على آخر، بل عندما تصبح كلفة استمرارها أعلى من كلفة إنهائها، وعندما تُعاد صياغة البيئة الاستراتيجية بحيث يصبح التعاون أكثر فائدة من المواجهة.
ومن هذا المنطلق، فإن الهدف الاستراتيجي الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على تغيير مواقف إسرائيل أو كسب التعاطف الدولي، بل يجب أن يركز على إعادة تشكيل البيئة السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية التي تصنع قرارات جميع الأطراف.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى الدولة الفلسطينية باعتبارها استجابة لحق تاريخي مشروع فحسب، بل باعتبارها أيضاً عنصراً أساسياً في معادلة الاستقرار الإقليمي، وجسراً للتعاون الاقتصادي والأمني والسياسي في الشرق الأوسط.
وعندما تصبح الدولة الفلسطينية جزءاً من منظومة إقليمية للاستقرار والتنمية، وعندما تصبح التسوية أكثر جدوى من الصراع لجميع الأطراف، فإن السلام لن يكون مجرد اتفاق سياسي، بل نتيجة طبيعية لبيئة استراتيجية جديدة تجعل التعايش والتعاون الخيار الأكثر عقلانية واستدامة.