آراء

الهدم في القدس… مشروع سياسي لتغيير هوية المدينة

54 مشاهدة
الهدم في القدس… مشروع سياسي لتغيير هوية المدينة

الكاتبة : الدكتورة تهاني اللوزي

لم تعد سياسة هدم المنازل في القدس مجرد إجراء عقابي أو مخالفة تنظيمية كما يدّعي الاحتلال الإسرائيلي، بل أصبحت سياسة سياسية ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل المدينة ديمغرافياً وجغرافياً بما يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي ويضمن فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب تغييرها مستقبلاً.

فالاحتلال يعمل منذ سنوات وفق استراتيجية واضحة تقوم على الإخلال بالتوازن الديمغرافي في القدس الشرقية، من خلال تقليص نسبة الوجود الفلسطيني مقابل زيادة أعداد المستوطنين اليهود. وقد كشفت العديد من الدراسات والخطط الإسرائيلية عن سعي الاحتلال إلى خفض نسبة الفلسطينيين في القدس إلى نحو 17% فقط، وهي سياسة تقوم على التضييق على الفلسطينيين في السكن والبناء والحياة اليومية، لجعل بقائهم في المدينة أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق، تحولت سياسة الهدم إلى أحد أهم أدوات التهجير الصامت، حيث لا يقتصر الأمر على إزالة المباني والمنشآت، بل يمتد إلى استهداف الاستقرار الأسري والاجتماعي والاقتصادي للمقدسيين، ودفعهم قسراً إلى الرحيل عن مدينتهم أو الانتقال إلى مناطق أخرى خارج حدود القدس.

وما تشهده بلدات ضواحي القدس اليوم، وعلى رأسها كفر عقب ومخماس وعناتا والرام وبيت حنينا، حزما، بيت ،سوريك ،جبع ،بدو، يؤكد أن الاحتلال انتقل إلى مرحلة جديدة من التصعيد. فقد سُلّمت مئات الإخطارات بوقف البناء والهدم خلال الأشهر الأخيرة، في محاولة لفرض واقع جديد على هذه المناطق التي تشهد كثافة سكانية فلسطينية مرتفعة، الأمر الذي يكشف أن الهدف الحقيقي ليس تطبيق القانون كما يدّعي الاحتلال، بل تقليص التمدد العمراني الفلسطيني ومحاصرة النمو السكاني للمقدسيين.

لقد أصبحت كفر عقب نموذجاً واضحاً لهذه السياسة؛ فهي تقع ضمن الحدود التي يعلن الاحتلال ضمها للقدس، لكنه في الوقت ذاته يحرم سكانها من الخدمات الأساسية، ويمنع التطور العمراني الطبيعي فيها، ثم يستخدم ذريعة البناء غير المرخص لتبرير عمليات الهدم. وهذا التناقض يؤكد أن القضية سياسية بامتياز، وأن الاحتلال يستخدم أدوات التخطيط والتنظيم العمراني كسلاح لتحقيق أهدافه الديمغرافية.

وتكشف الأرقام حجم التصعيد غير المسبوق في سياسة الهدم، إذ تجاوزت عمليات الهدم في القدس خلال النصف الأول من هذا العام أكثر من 300 عملية هدم، وهو رقم يعكس ارتفاعاً خطيراً في وتيرة الاستهداف الإسرائيلي للمنازل والمنشآت الفلسطينية. كما أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصائيات، بل تعني مئات العائلات التي فقدت مساكنها، وآلاف المواطنين الذين يعيشون حالة من القلق وعدم الاستقرار، في ظل استمرار سياسة العقاب الجماعي التي ينتهجها الاحتلال.

إن الهدم في القدس ليس قضية هندسية أو قانونية، بل هو مشروع سياسي متكامل يستهدف الإنسان والأرض والهوية. فالمعركة الحقيقية التي يخوضها الاحتلال هي معركة على مستقبل القدس وهويتها العربية الفلسطينية، ومحاولة فرض أغلبية سكانية يهودية تضمن له السيطرة الكاملة على المدينة.

ورغم قسوة هذه السياسات، أثبت المقدسيون أنهم الأكثر تمسكاً بأرضهم والأشد صموداً في وجه محاولات الاقتلاع. وستبقى القدس، رغم الهدم والجدران والاستيطان، مدينة عربية فلسطينية بهويتها وتاريخها وأهلها، لأن إرادة الشعوب أقوى من سياسات القهر، ولأن البيت الذي يُهدم يمكن إعادة بنائه، أما الانتماء فلا يمكن هدمه أو مصادرته.