آراء

الحرب ... هل انتهت فعلا؟

9 مشاهدة
الحرب ... هل انتهت فعلا؟

الكاتب : تحسين يقين

لي وللأقليّة، ألا نصدّق كل ما يقال من أخبار؛ فقد اختبرنا من قبل حكايات ما تحت الطاولات الذي لا نعرفه، وما فوقها الذي نُدفع للانشغال به. وربما هناك كثيرون مثلنا، مثل الشاب طارق الذي يدخل العشرين في هذا الصيف، والذي حين اقترحت أن يجيب على سؤال السائق لي عما يحدث من حرب وسلام، فأدهشني عمقه المبكر في فهم الأمور.
كنا نفاجأ في طفولتنا، وعمر الفتيان وأول الشباب وربعه ونصفه، وكلما كبرنا في العمر، كانت المفاجأة تقلّ، ولم يعد ما يفاجئنا سوى القليل. أما السبب فهو عيشنا نحن وما نختبر به أنفسنا أولا والآخرين، كذلك ما تيسّر من معارف آخرين وخبراتهم، أكانت مسموعة أو مكتوبة، خاصة ما يصلنا من معلومات تاريخية، حقيقية أو قريبة منها.
لسنا هناك إذ تحاربوا، ولسنا هناك إذا تصالحوا؛ ولم نكن مصدقين كل ما يقال عنها، لذلك لسنا متفاجئين من الحديث عن وقفها، ولن نتفاجأ بعودتها، ف"للكبار" ألعابهم في الحرب والسلام.
وحتى لا نبعد كثيرا عن حالنا فلسطينيين وعربا، فبإمكاننا تأمل أثر ذلك علينا حربا وسلما، من حيث الدور والفعل، ولنا كفلسطينيين رؤية الأمور واضحة كون سلطات الاحتلال ما زالت تمارس ما تمارسه دون أن يوقفها أحد، من هنا الى لبنان.
الأمريكان والإيرانيون أوقفوا إطلاق النار، وكل طرف سيلزم وكلاءه بالالتزام، فإذا أطاع "وكلاء إيران" على حد تعبير دولة الاحتلال والأمريكان، والتزموا، فعل تستطيع دولة الاحتلال وتلتزم بوقف إطلاق النار وهي من استمرت بإطلاقه بعد خطة ترامب، وما زالت حتى اللحظة تمارس القتل والتدمير.
يتساءل شعبنا إن كان هكذا اتفاق أمريكي إيراني سيوقف القتل في غزة، وهل سيغيّر حال حاجز عسكريّ هنا؟ وهل يمكن أن يعيد أموالنا المقرصنة؟ هل يمكن وقف الآلام الكثيرة؟ كل واحد فينا سيتساءل في ظل الألم والحاجة والمعاناة كبارا وصغارا. وفي ظل التساؤلات سيجد أبناء شعبنا أنفسهم ساخرين تجاه كل ما يجري، في ظل وعينا/ كما الشاب طارق، على تفضيل الدول مصالحها على مصالحنا، ولن يكون هؤلاء ولا أولئك قلقين تجاهنا ونحن نسير في طريق الآلام، كما لم يقلقوا أصلا لقتلنا، فكيف بما يتعلق من تطوير شروط التسوية!
لذلك، لنا ما لا نعوّل عليه من كثير آمال على ما يجري بالعواصم القريبة والبعيدة، فقد "جربناها" جميعا، ولكن لنا أن نعيد الاعتبار الى العامل الذاتي في تقوية بقائنا، ورفد النظام السياسي الوطني بكل ما يزيد قوة بقائنا، خصوصا في تحقيق العدالة، والتضامن الوطني. ولعرب أشقاء آخرين فعل الحكمة، وللآخرين اليقظة لما يتمّ من تخطيط لمحاصرتهم، بحجج تأمين السلام.
في ظل الاحتلال يحدث كل شيء إلا السلام. لذلك لن تنتهي الحروب بسهولة، ولكن يمكن للكبار هناك وفي الإقليم ترتيب مصالحهم العليا.
وهنا، فليس لدينا مجال لتكلف المشاعر تجاه ما يحدث بعيدا عنا، لأننا "تحت العصا"، ولعل الحياة خير معلمة، ولكن ليس كل من يحيون فيها يتعلمون، أو لا يريدون الأخذ باستحقاقات ما تعلمونه.
على مدار عقود، تعبنا من عدّ السنوات، كما الأجداد قبلنا والآباء؛ من قبل عام 1948 حتى الآن. وتعبنا من الاحتلال، والوجع والانتظار، فهل لذلك تأثير لدى صناع قرارات الحرب والسلم؟ هل سنصل إلى اللحظة التي سيحدث فيها التحوّل الحقيقيّ تجاه حلّ القضية الفلسطيني حلا عادلا عمليا مقبولا؟ 
هل انتهت فعلا؟ هل انتهت! وما بين الاستفهام والتعجّب حياة البشر وحياة اللغات؛ فلا يبدو أن صيغة واحدة تكفي، لأنه يمكن أن يكون الجواب نعم أو لا، أو يكون بدون إجابة، لأننا نطلقه متعجبين!
تبدأ الحروب، ومنها ما ينتهي، وما ما لا ينتهي إلا بعد سنوات، والتي قد يجدّ ما يجعلها تبعث من جديد، بين البشر وبين الدول.
عند الحديث عنها، سأظل أردد ما حييت بيت شعر زهير:
 وما الحرب إلا كما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّم
ولد زُهير بن أبي سُلمى ال مُزَني520م، لذلك حين اندلعت حرب داحس والغبراء" كان عمره 48 عاما، أنها بدأت تقريباً في عام 568م. وحين انتهت بعد 40 عاما عليها، كان زهير في آخر سنوات العمر حين انتهت الحرب، فقد توفي الشاعر عن عمر 89 عاما، عام 609 للميلاد.
في الوقت الذي سأظل متذكرا أدوات الاستفهام، التي جميعها أسماء ما عدا حرفيّ هل والهمزة، فإنه سيتعمّق لدينا، إذ كبرنا معاني الاستفهام البلاغية، والتي رغم صياغة أسلوب الاستفهام، فإنها تقال للبلاغة، كالاستنكار مثلا، لا كي يكون للسؤال جواب. كذلك سأستطيع ما أوتيت من علم الحياة لا اللغة فقط، لأعرف عما تساءلت به فتىً حول انقسام الكلام بين الإنشاء والخبر، من باب أن الإنشاء وصيغه في اللغة قليل، فقد كبرنا لا لنسأل السؤال نفسه، بل لنعيشه، حيث ان معظم أسئلتنا صارت لها دلالات بلاغية، فلم نعد نستفهم عما لا نعرفه إلا قليلا، وصارت أسئلة للتعجب والحيرة والاستغراب.
وما الحرب إلا كما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجّم
نعم، لقد علمها شعبنا وذاقها، خاصة في حرب الأزرار عن بعد في القتل والتدمير. شعوب أخرى تعلمها وتأذت منها، ولكن هناك من لا يحسّ بها.
نتائج الحرب خاسرة على الجميع إن كانت حربا فعلية تماما أو غير ذلك. فهل هناك من سيلتقط خيوط الحكمة لبدء عهد جديد بعيدا عن الآلام.
إنها فعلا خاسرة للجميع، حتى لأولئك الذين يظنون أنهم قطفوا ثمارها ربحا، لأنه ليس ربحا حقيقيا له ديمومة.
ونختتم بالأمل أن تتوقف الحرب فعلا، ويواكبها تسويات سلمية مرضية بعيدا عن الإذلال، فسلام الكرامة هو من سيضمن أي اتفاق سلام مرحليا كان أو دائما.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.