آراء

التاريخ ثمّ التاريخ

58 مشاهدة
 التاريخ ثمّ التاريخ

الكاتب : تحسين يقين 

يوجعني تعليم التاريخ في بلادنا!
ويوجعني أكثر الزهد به. 
ونحن نعد مقالنا عن فلسطين، سيصعب الحديث المنفصل عنها، ذلك أنها هي هكذا، مرتبطة مصيريا بعالمنا العربي، وهو مرتبط بها، أحببنا ذلك أم لا؛ فالقصة ليست قصص مشاعر، بل قصة وجود.
 ليست خطوات باتجاه تحرر فلسطين فقط واستقلالها، بل، وهذا ما نعيشه، بل هي خطوات مطلوبة وضرورية لخلاص أمتنا العربية؛ فمن لم يتعلم مما نعيشه الآن، وما عشناه قرونا، فقد اختار واقعه. 
والغريب العجيب أننا نستطيع أن نسرد ما كان من سنوات قليلة أو آلاف منها في بضع أسطر: تلك هي الفكرة، وتلك هي الفلسفة، والإنسان. 
من يطّلع على تاريخ بلادنا يتعمّق لديه ولدى المستزيد منه، مسألة غاية في الأهمية، تتمثل في تقاطع تاريخ فلسطين بتاريخ العالم قديما وحديثا. لقد كانت فلسطين في معظم تاريخها في عمق العلاقات الدولية، متأثرة باتجاهات الدول الكبرى، من فارس الى روما، مرورا بمصر، في الوقت الذي ارتبط تاريخها بتاريخ الإقليم، خصوصا فيما يعرف ببلاد الشام والعراق، إن كان تآلفا كما هو حال الوجود الكنعانيّ في المنطقة، أو التوالد كما الفينيقينن، أو النفوذ كما العلاقة مع البابليين.
تحولات متنوعة مرّت على فلسطين، منذ القدم، منذ العصور القديمة والعصر اليونانيّ والهلينيّ الرومانيّ والبيزنطيّ، ثم العربيّ الإسلاميّ الذي كان من أهم التحولات، ثم العصر الوسيط حيث غزوات الفرنجة (الأوروبي) الذي كان تحولا ما زال يلقي ظلاله على فلسطين، ثم الأيوبيّ والمملوكيّ، والعثمانيّ، فالعودة الأوروبية مرة أخرى، بتعرض فلسطين تحت الاحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى، الذي هيأ فلسطين لتكون وطنا قوميّا لليهود، وصولا للسيطرة الصهيونية شبه الكاملة عليها، باستعادة تاريخ ملتبس لليهود في فلسطين، وصولا للاحتلال الكولينالي، بالرغم من فترة انقطاع كبيرة بينهما تقارب الثلاثة آلاف عام.
والعرب نحن؟ أين كنا وأين الآن؟
بالرغم من كوننا ضمن الحالة الحضارية العربية الإسلامية، وبالرغم من أثر هذه الحالة في إعادة تكوين العنصر العربي الذي قاد هذه الحضارة قرنين من الزمان، إلا أن الدور العربي تراجع منذ القرن الثاني في الحكم العباسيّ، حين سيطرت قوميات أخرى، وظل كذلك حتى نهاية الدولة العثمانية، حيث وقعت بلادنا تحت الاستعمار.
لذلك، فإن هذا التاريخ المتبادل في الدخول شرقا وغربا، بمعنى مجيء الأوروبيين الى بلادنا، ودخول العرب والأتراك المسلمين الى اسبانيا والبلقان، تاريخ يصعب الخروج منه، كونه غزوا متبادلا، يدعونا الى دراسته من وجهة نظر موضوعية ونقدية أيضا، ونحن نفكر بالمستقبل العربي والخلاص القومي.
نشط الحراك القومي أواخر القرن التاسع عشر، وبالطبع لم يكن ذلك لترضى عنه الدولة الحاكمة، ثم ليبدأ تبلور هذا الحراك بالثورة العربية، التي مهما واكبها من جدل لم ينته بانتهائها، إلا أنها كانت بداية لاستمرار الحراك من خلال العمل الحزبيّ القوميّ، الذي استطاع الوصول الى الحكم مثل حزب البعث، من جهة، وإلى وجود توجه قومي لدى جمال عبد الناصر الذي وصل للحكم في مصر. وبالرغم من الحالة القومية التي سادت بما فيها من آمال إلا أن حصاد البيدر كان حصادا قطريا ضيقا، عمّق حالة الاستلاب والتبعية للمستعمرين الذين كانوا أصلا قد احتلوا معظم بلادنا.
لقد مرّ غزاة كثيرون هنا، لكن الملفت للنظر أنه إذا جمعنا فترة الغزو الهيليستيني والرومان الوارثين لهم، والبيزنطيين، حوالي الألف عام، مع فترة حروب الفرنجة، أو الحروب الصليبية، وهي ما يقرب من القرنين، مع فترة الاستعمار الأوروبي الحديث والوجود الصهيوني كمترادف له، أي القرن العشرين، فإن محصلة الجمع ترينا أن الغزو الغربي لبلادنا فاق الثلاثة عشر قرنا.
بمعنى أن المشكلة تمحورت وتركزت بعلاقاتنا مع الغرب الذي ما زال للأسف طرفا في الحرب علينا، وزاد التحديّ بانضمام الولايات المتحدة له بعد الحرب العالمية الثانية.
لدينا فرص، لكنها مرتبطة بالوحدة، في فتح صفحة جديدة مع أوروبا من خلال حوار سياسي وفكري عربي أوروبيّ، على ضوء بناء علاقات مستقرة مع دول كبرى مثل روسيا والصين، ودول إقليمية مثل تركيا وإيران والهند، وغيرها من دول الشرق الناهضة.
نواجه حكاما ومحكومين تحديّات عسكرية وأمنية؛ في سيطرة شبه كاملة للغرب بقيادة أمريكا المتحالفة مع الاحتلال الصهيوني، أكبر مهدد داخل بلادنا، إضافة لكونه ذراعا لحلفائه لدوام السيطرة على الممتلكات والمصير.
"اللقمة من الفأس ثم الفكرة من الرأس"، عبارة للشيخ محمد متولي الشعراويّ، سمعتها في التلفزيون المصريّ بداية التسعينيات، فهمت منها معنى التحرر الفكري والسياسي وليس الاقتصاديّ فقط، فالجوانب مرتبطة معا، كونها منظومة. بمعنى هناك روافع للوحدة السياسية، نعرفها جميعا، لكن تطبيقها يحتاج إرادة. وقتها سنستلهم من عين جالوت إلهامنا المعاصر؛ فما تعلمناه أطفالا ما زال حاضرا فيما يتعلق بالتكامل الاقتصاديّ، أما مظاهر الوحدة فما زالت قائمة رغم التشظي والتشتت.
كان أهل فلسطين على ما كنوا عليه من أديان، فجاءت الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام، لم ينف أهل بلادنا الفلسطينيون ولا العرب، ولا غيرهم هذا الوجود الذي كان وجودا طبيعيا، حيث ينظر للدين اليهودي كدين سماويّ ظهر هنا كذلك الدين المسيحيّ، في ظل تعددية دينية متتابعة. وبالرغم من ذلك تعرضنا للحملات الفرنجية، والغزو الصهيوني، كل باسم الدين، فتعقدت الأمور.
بدأ التحوّل الدينيّ السماويّ اليهوديّ هنا، فالمسيحيّ فالإسلاميّ، وعاش أهل البلاد من الأديان المختلفة في وئام. وكان ذلك تحولا محليا لم يخلق الصراعات ولا الحروب.
أما التحول الوافد، فكان مع الغزاة، بغض النظر عن الدين، وصولا لانتهاء ألفية الوجود الأوروبي في بلادنا على يد ما عُرف بالفتح العربي.
والآن، لا ينفصل الهم الفلسطينيّ عن الهم العربيّ، فالاستعمار مباشرا كان أو غير مباشر، فإنه يسلبنا لا الأرواح والممتلكات، بل كرامتنا وهي أغلى ما نملك.
أي فلسطيني يتحدث عن فلسطين، هو كأي عربي يتحدث عن قطره، كلاهما لن يكون اهتمامه كاملا ما لم ينطلق من موضضوعية الرؤيا، لذلك تحضرنا عبارة النبلاء، الكل من أجل الواحد، والواحد من أجل الكل.
تحضرنا هنا قصيدة محمود درويش، "فكّر بغيرك": "وأَنتَ تُعِدُّ فطورك وهي من أواخر قصائد درويش الأكثر وجودية ونبلا. لذلك فنحن نهتم هنا في بلادنا المحتلة هنا، فإننا نهتم ببلادنا هناك على طريق التحرر الكامل غير المنقوص، حتى يكون أمان بلادنا بين أيدينا، لا بيد الحارس السارق "حاميها حراميها". وحال أشقائنا مثلنا: لا بدّ من تحرر فلسطين، ولا بدّ من وضع حدّ للغزاة المتحالفين ضدنا.
لعل العربيّ يصحو من جديد، وليس ذلك مستحيلا.