آراء

أنام وأنا عطشان

40 مشاهدة
أنام وأنا عطشان

الكاتب : عيسى قراقع
الطفل محمد مصباح 14 عاما، سكان مخيم جباليا في قطاع غزة، لم يعد ينهض صباحا للذهاب إلى المدرسة، بل يستيقظ من أجل الذهاب الى تعبئة المياه، ويضطر إلى قطع مسافة تقارب خمسة كيلو مترات كي يصل إلى أقرب نقطة توزيع المياه بعد أن دمرت اسرائيل 90 بالمئة من البنية التحتية المتعلقة بالمياه خلال الحرب المستمرة منذ ثلاثة أعوام.

العطش والجوع ..

والموت والقصف هو عنوان هذه الحرب القذرة، فالحرب الحقيقية بدأت الآن، وقد تحولت الحياة نفسها الى ميدان استنزاف يومي: الماء حرب، والخبز حرب، والنظافة حرب، والانتظار حرب، والبحث عن الدواء حرب، والخوف من الليل حرب، والاستيقاظ على انفجار وجثث حرب اخرى، أن يترك الإنسان داخل خراب طويل بلا قدرة على ترميم يومه أو روحه أو ذاكرته.

في غزة، الطفل محمد الذي يجلب المياه لأسرته المكونة من عشرة أشخاص من ذوي الاعاقة، ويمكث طوال اليوم في طابور الانتظار، لم يعد يسأل عن الألعاب، ولا حتى عن البحر الذي صار يطل عليه كغريب، يقول: كثيرا ما انام وانا عطشان، لا اريد أن أشرب مياها مالحة أو ملوثة، وكثيرا ما اعود بخيبة أمل عندما لا أجد المياه الصالحة.

طفل صغير يمشي مسافات طويلة حاملاً عبوة بلاستيكية فارغة، يسير بين أطنان النفايات المتكدسة والانقاض والروائح الكريهة، وانتشار الحشرات والذباب والصراصير والجرذان التي تهاجم خيام النازحين واجسادهم، وتسبب الأمراض الخطيرة، أنها رحلة طفل فلسطيني حيث تختلط رائحة الموت بالمياه الراكدة، وفي بيئة متعفنة طاردة للحياة الانسانية.
يقول الكاتب اكرم الصوراني عن وحشية هذه الحرب عندما يتحول الالم إلى روتين: في الطريق من دير البلح إلى مواصي خانيونس نمر من غابة من الخيام ومن لوحة فنية من القمامة، يكاد يعجز اشهر رواد الفن التجريدي عن رسم لوحة مثلها، ونشاهد طابور من الكائنات المنهكة تحاول تعبئة جالونات مياه حلوة وسط نهر من المجاري في مشهد اعتيادي لم يعد مثارا لشفقة العين، كأن هناك شيء مات فينا حتى تعودنا على كل شيء.

الطفل محمد مصباح حكاية آلاف الأطفال الذين شردتهم حرب الابادة، كبروا بسرعة على وقع القنابل والفقد، أن تحاول الحياة والنجاة رغم الجوع والعطش والتعب، أن تظل مشغولا بالغد إن بقيت حيا، أنها الدهشة والمفارقة الإنسانية أن يبتسم هذا الطفل لقطرة مياه تأتي من العدم، ولنبتة تنمو وسط الركام، ومن يكتب قصيدة بيد مبتورة دفاعا عن الحرية في وجه الإبادة اليومية.

محمد يحمل عمره الهشّ وهو يبحث عن مياه ووطن وكرامة ومستقبل، صحراء بشرية ومساحات محاصرة تحت الرصاص، طفولة مرهقة بلا غيوم في السماء، الشمس فوق رأسه ليست شمسًا عادية، بل جدار نار، ويسأل العالم إن كان لا يزال يراه؟

يعود محمد مصباح أحيانًا بقطرات قليلة، دموع في العنين، ماء له طعم الصدأ والخوف، ثم ينام وهو يعلم   أن الغد قد يكون أكثر عطشًا، وفي الليل، حين يغمض عينيه، لا يحلم بالحلويات ولا بالدراجات، بل بكأس ماء بارد يخفف عن الحلم الجفاف، ويحرك الأنهار والينابيع المدفونة في غزة، الماء أمنية كالحرية، ومنذ آلاف السنين كان الماء أصل الحضارات، وخلقنا من الماء كل شيء حي، هذا الطفل يخوض معركة البقاء المقدسة.

الطفل الذي يمشي بحثًا عن الماء يشبه شخصية أسطورية قديمة، كأنه سيزيف الفلسطيني يحمل عطشه بدل الصخرة، كلما وصل إلى نقطة ماء، اكتشف أن الطابور اطول من الطريق، وان محطة المياه مدمرة والخزان فارغ، صار محمد صرخة عطش وذاكرة في وجه الصمت والتخاذل الذي وصل إلى أقسى حدود الكارثة.
 
ماهي السياسة؟ وما هو القانون الدولي عندما يعجز المجتمع الدولي عن إدخال المياه إلى اطفال غزة؟ ربما مشاهد المأساة تختبر الإنسانية جمعاء، لغتها، اخلاقها، وربما الفكر والثقافة والمعارف بجب أن تولد من تحت أنقاض غزة.

يقول محمود درويش: من قال إن الماء لا لون له ولا طعم ولا رائحة، للماء لون يتفتح في انفتاح العطش، للماء لون اصوات العصافير، وللماء طعم الماء ورائحة هي رائحة الهواء القادم بعد الظهيرة.