آراء

تعميق  البؤس في غزة  .. اختراق بيانات ٦٠٠ الف أسرة غزية مسجلة لدى برنامج الأغذية العالمي 

6 مشاهدة
تعميق  البؤس في غزة  .. اختراق بيانات ٦٠٠ الف أسرة غزية مسجلة لدى برنامج الأغذية العالمي 

الكاتب : سامي مشعشع

بالنسبة لمعظم سكان غزة، فإن التسجيل لدى برنامج الأغذية العالمي WFP (كما التسجيل للاونروا والمؤسسات الانسانية الاخرى) ليس إجراءً إدارياً عادياً، بل هو وسيلة للبقاء على قيد الحياة. فالعائلات تقدم أسماءها وأرقام هوياتها وبيانات الاتصال الخاصة بها ومواقع إقامتها الجغرافية أملاً في الحصول على الغذاء أو المساعدات النقدية التي باتت تمثل شريان حياة لمئات الآلاف من الأسر. ولهذا السبب، فإن الهجوم الإلكتروني والاختراق الكبير الذي استهدف منصة التسجيل التابعة للبرنامج لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد حادث تقني أو خرق أمني عابر، بل باعتباره فشلاً إنسانياً يحمل تداعيات خطيرة على سكان يعيشون أصلاً واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

لقد كشف الاختراق عن بيانات شخصية تخص نحو ٦٠٠ ألف أسرة فلسطينية في غزة (مليونا شخص)، شملت أسماء وأرقام هويات وأرقام هواتف ومعلومات مرتبطة بمواقع الإقامة أو النزوح. وفي أي سياق آخر قد يُنظر إلى مثل هذا الحادث باعتباره مشكلة تتعلق بحماية البيانات والخصوصية. أما في غزة، حيث يعيش السكان تحت وطأة الحرب والتشريد والجوع وانعدام الأمن، فإن لهذه البيانات قيمة مختلفة تماماً، لأنها ترتبط مباشرة بأماكن وجود الناس وتحركاتهم واحتياجاتهم الإنسانية. فى مثل هكذا ظروف تصبح قواعد البيانات الإنسانية جزءاً من منظومة الحماية الإنسانية والأمنية، لا مجرد أدوات إدارية لتوزيع المساعدات.

ما يثير القلق لا يقتصر على وقوع الاختراق ذاته، بل يمتد إلى طريقة التعامل معه ومحاولة التستر عليه. فبينما أبلغ البرنامج المستفيدين المتضررين عبر قنواته المباشرة ( ولا ندري اذا تواصلوا معهم جميعا) عن الاختراق واغلق المنصة بالكامل الا انه، وحسب تقرير صحفي معمق لدورية "The New Humanitarian" فقد اخطر البرنامج المستفيدين بهذا الخرق بتاريخ ٣١ ايار الماضي وبعد ١٧ يوما من حصول الاختراق!!! والانكى هنا ان مختصا مستقلا بالأمن السيبراني، حسب ذات الدورية، كان قد حذر برنامح الغذاء العالمي مسبقا من ضعف جدران حماية المعلومات المخزنة لديه.

وتساؤلي الاخر هنا والملح هو حول سبب غياب الإفصاح العلني الواضح عبر منصات البرنامج الإعلامية الرسمية، ولا سيما باللغة العربية، رغم أن المتضررين هم من الفلسطينيين الناطقين بالعربية (بحثت عبر منصات برنامج الغذاء الرقمية المتاحة وللأسف لم اجد اي بيان صحفي، تقرير،مكاشفة لا بالعربية ولا بالانكليزية، لا شيء!!).  الناطق الرسمي اكد حصول الاختراق بشكل مقتضب فقط عندما اضطر للأجابة على متابعة من هذه الدورية!!!

 لماذا لم يتقدم البرنامج بإعلان عام وشفاف يشرح للرأي العام وللمستفيدين أنفسهم ما حدث، ومتى حدث، وما هي المخاطر المحتملة والإجراءات المتخذة للحد منها؟ إن هذا الغياب لا يقل أهمية عن الاختراق نفسه، لأنه يترك فراغاً معلوماتياً في قضية تمس مئات آلاف الأسر في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وخطورة. كما أن تأخر الإخطار لأكثر من أسبوعين يثير تساؤلات مشروعة حول سرعة الاستجابة ومدى إدراك حجم المخاطر التي قد تترتب على كشف بيانات أشخاص يعيشون أصلاً تحت وطأة الحرب والنزوح والجوع.

الحادثة تستوجب فتح نقاش أوسع حول إدارة البيانات في القطاع الإنساني. فقد توسعت المنظمات الدولية خلال السنوات الأخيرة في جمع البيانات الشخصية للمستفيدين بهدف تسريع إيصال المساعدات وتحسين كفاءتها، غير أن هذا التوسع لم يترافق دائماً مع مستوى مماثل من الحماية والشفافية والمساءلة. والنتيجة أن الفئات الأكثر ضعفاً في العالم أصبحت في كثير من الأحيان الأكثر تعرضاً لمخاطر الاختراق والتسريب.

إن الضرر الحقيقي لهذا الحادث لا يُقاس بعدد السجلات التي تم الوصول إليها، بل بالأثر النفسي والإنساني الذي يتركه على مجتمع يعيش أصلاً حالة دائمة من الخوف وعدم اليقين. فالعائلات التي اضطرت إلى تسليم بياناتها الشخصية للحصول على الغذاء تجد نفسها اليوم أمام مصدر جديد للقلق (وأقصد هنا القلق الأمني) في وقت تكافح فيه من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة.

غزة لوحدها يا عالم. وهذا الخرق يزيد مستويات الالم والجوع والانكشاف.

المساعدات الإنسانية مسألة حياة أو موت ولا تنفصل حماية البيانات عن حماية البشر، وأي إخفاق في الأولى قد يتحول سريعاً إلى إخفاق في الثانية.