آراء

حين عادت ابنة يافا إلى البحر.. 

69 مشاهدة
حين عادت ابنة يافا إلى البحر.. 

الكاتب : يونس العموري 

كان الغروب يطوي آخر خيوطه فوق البحر، وكأن الشمس سفينة قديمة تعود مثقلة بالحكايات إلى مرافئ الغيب...  جلسنا في مقهى صغير قبالة البحر، تتوزع طاولاته على الرصيف الحجري المطل على الموج، وكانت رائحة القهوة تمتزج بملح المتوسط في توليفة لا تستطيع إلا المدن الساحلية أن تصنعها ... أمامنا كانت الأكواب تبعث بخارا خفيفا يتراقص في الهواء، بينما كان النسيم يمر بيننا كذكرى بعيدة، وكانت الأمواج تتكسر على الصخور وتعيد إلى الشاطئ أصواتا لا يسمعها إلا الذين يعرفون كيف ينصتون إلى المدن....  كانت تنظر إلى الأفق بصمت... لم تكن تنظر إلى البحر كأي زائرة عابرة، بل كمن يقف أخيرا أمام وجه كان يعرفه من الحكايات فقط... كانت ابنة هذه المدينة، لكنها لم تطأ أرضها من قبل... حملتها في الذاكرة قبل أن تحملها في الخطى، وعرفتها من روايات الجدات أكثر مما عرفتها من الخرائط... كانت ترى البحر للمرة الأولى، لكنها كانت تنظر إليه كمن يستعيد فردا غاب طويلا عن العائلة... وكأن الماء يعرفها قبل أن تعرفه، وكأن النوارس التي تدور فوق الميناء جاءت لتستقبل اسما عاد إلى مكانه بعد غياب طويل...  ابنة هذه المدينة، تعرف لون الماء في الشتاء والصيف، وتحفظ أصوات النوارس كما يحفظ الناس أسماء أقاربهم ... رفعت فنجان القهوة إلى شفتيها وارتشفت رشفة صغيرة، ثم التفتت إلي وابتسامة هادئة تعبر وجهها وقالت .. حدثتني عن القدس كثيرا... عن أسوارها التي تشبه أذرعا حجرية تحرس الزمن، وعن أزقتها التي تمشي فيها القرون جنبا إلى جنب، وعن الأسواق التي تفوح منها رائحة التاريخ أكثر مما تفوح منها رائحة البهارات. حدثتني عن مدينة تبدو كأنها معلقة بين الأرض والسماء..  فماذا عن يافا ..؟  سكت قليلا... كانت تحدق بي منتظرة الجواب، لكنني شعرت أن السؤال لم يكن مجرد سؤال... كان أشبه بطلب اعتراف ... كانت ابنة المدينة تسأل رجلا عن مدينتها، كأنها تريد أن تعرف كيف تبدو يافا في عيون شخص أحبها من خلال الحكايات والذاكرة. .. و كان البحر أمامنا يلمع بلون نحاسي تحت آخر وهج للشمس، كأن يافا نفسها تستعد للخروج من الماء... قلت لها .. يافا ليست مدينة يا سيدتي .. فابتسمت بخفة وهزت رأسها وكأنها سمعت هذه الجملة من قبل، لكنها أرادت أن تسمعها مني هذه المرة...  قلت .. يافا ذاكرة تمشي على هيئة ميناء...  مدينة تعلمت منذ ولادتها أن تنظر في عيون العواصف دون أن تطأطئ رأسها... كل حجر فيها يحمل ندبة، وكل زقاق يحمل أثرا لقدم غريب مر من هنا، وكل نافذة تعرف أن التاريخ لم يكن يوما رحيما بهذه المدينة التي أحبها البحر أكثر مما أحبها البشر... خفضت عينيها نحو فنجانها للحظة، ثم عادت تنظر إلى البحر. كان في عينيها شيء من الفخر وشيء من الحزن، كأنها ترى المدينة التي أتحدث عنها ماثلة أمامها بكل وجوهها دفعة واحدة... إن كانت القدس تشبه كتابا مقدسا تقلبه الأجيال في خشوع، فإن يافا تشبه مخطوطة نجت من الحريق مرات لا تحصى، وكلما احترقت أطرافها ازداد النص وضوحا... منذ آلاف السنين كانت واقفة عند باب المتوسط، تستقبل السفن القادمة من الجهات الأربع...  مر عليها الفراعنة والآشوريون والبابليون والفرس والإغريق والرومان والبيزنطيون...  تعاقبت الإمبراطوريات كما تتعاقب الفصول، وكانت يافا في كل مرة تبدل ثوبها وتبقي روحها... كم من جيش دخلها ظانا أنه امتلكها... وكم من راية ارتفعت فوق أسوارها ثم اختفت في غبار الزمن... وحده البحر بقي شاهدا لا ينام ... كان يرى الغزاة يأتون من الأفق ثم يبتلع أسماءهم واحدا واحدا... عند هذه الكلمات نظرت إلى الأفق البعيد حيث كانت الشمس تقترب من الغياب، وقالت بصوت خافت .. ربما لهذا يبدو البحر هنا عجوزا أكثر من البحار الأخرى... ابتسمت لكلماتها، ثم أكملت .. أتدرين .. ؟ هناك مدن تصنعها الجغرافيا، لكن يافا صنعتها المحنة... في العصور كلها كانت تقف على خط النار... حتى حين عبرتها الحملات الصليبية ، وحين تنازعها السلاطين والملوك، وحين دوت المدافع على أبوابها، كانت المدينة تتشقق لكنها لا تنكسر... كانت تشبه شجرة زيتون عتيقة،  قد تحرق بعض أغصانها، لكن جذورها تبقى تضرب عميقا في الأرض... ثم جاءت القرون الأخيرة... وأصبحت يافا درة الساحل الفلسطيني... مدينة البرتقال الذي كان يسافر إلى العالم حاملا اسمها... مدينة الصحف والمطابع والمسارح والمدارس... مدينة التجار والبحارة والشعراء... كانت الشوارع تنبض بالعربية كما ينبض القلب بالدم... وكانت المآذن ترتفع فوق البيوت القديمة كأنها أصابع من نور تشير إلى السماء... وكان الميناء يفتح ذراعيه لكل قادم، بينما كانت البيارات تحيط بالمدينة مثل قلادة خضراء تزين عنق البحر... هنا ارتسمت على وجهها ابتسامة مختلفة...  ابتسامة شخص رأى في طفولته ما تبقى من تلك الحكايات. قالت وهي تدير الفنجان بين يديها.. كان جدي يحدثني عن البرتقال أكثر مما يحدثني عن الناس... ثم ضحكت بخفة، لكن الضحكة سرعان ما ذابت في الصمت... صمت قليلا ثم قلت لها .. لكن المدن الجميلة كثيرا ما تكون ضحية جمالها... حين اقترب منتصف القرن الماضي كانت الغيوم السوداء تتجمع فوق الساحل... لم تأت العاصفة دفعة واحدة... جاءت متخفية في الوعود والمؤامرات والخرائط السرية والصفقات التي عقدت بعيدا عن أعين الناس... كانت يافا تسمع وقع الخطر يقترب كما يسمع البحار هدير الإعصار قبل ظهوره... ثم جاء زمن الرصاص ... وزمن المجازر... وزمن الخوف الذي طرق أبواب البيوت قبل الفجر... سقطت القرى حولها الواحدة تلو الأخرى... وكانت المدينة تقاوم بما تملك من رجال وإيمان وأمل... لكنها كانت وحيدة أكثر مما ينبغي... وحين تتخلى الجدران عن بعضها يصبح الحصار أشد قسوة من المدافع... كانت الخيبات تتسرب إلى الأزقة كما يتسرب المطر من سقف قديم .. وكان الناس ينتظرون نجدة لا تصل... وينتظرون وعدا لا يتحقق... رأيتها تخفض بصرها نحو المائدة...  كانت أصابعها تداعب حافة الفنجان بصمت... ولم تقل شيئا... لكن الصمت أحيانا يكون أبلغ من الكلام... حتى جاءت الأيام التي انكسرت فيها المدينة تحت ثقل النار والحصار والخذلان معا... وفي تلك الأيام خرجت القوافل من البيوت... خرج الناس وهم يظنون أنهم سيعودون بعد أيام... أغلقوا الأبواب... خبأوا المفاتيح... تركوا فناجين القهوة على الرفوف... وتركوا الأشجار تنتظرهم... لكن الأيام تحولت إلى عقود... والعقود تحولت إلى أعمار كاملة... عندها رفعت رأسها ونظرت إلي طويلا... 

وكان في عينيها ذلك البريق الذي يظهر حين يحاول الإنسان أن يمنع ذكرى قديمة من الانسكاب...  فقلت ..  كانت تلك هي النكبة يا سيدتي... ليست كلمة في كتاب... ولا تاريخا في أرشيف... النكبة باب بقي مفتوحا في قلب مدينة... وما زال الهواء يعبر منه حتى اليوم. .. بعد ذلك تغير وجه يافا ... لكن الحكاية لم تنته عند النكبة يا سيدتي ... وهنا أخطأ كثيرون في فهم يافا... ظنوا أن المدينة التي نزفت أبناءها ستفرغ من روحها... وأن البيوت التي أغلقت أبوابها ستتحول إلى حجارة صامتة... وأن البحر سينسى أسماء الذين كانوا يلقون شباكهم كل صباح ... لكن ما حدث كان شيئا آخر... فبين الركام الذي خلفته الأعوام الثقيلة، بقيت عائلات قليلة تتشبث بالمكان كما تتشبث الجذور بقاع الأرض أثناء العاصفة... بقي رجال ونساء يعرفون أن الهزيمة الحقيقية ليست أن تخسر بيتا، بل أن تنسى أنه كان بيتك... كبرت الأجيال الجديدة وهي تحمل المدينة في لغتها... في أسمائها...  في أعيادها... في قهوتها... وفي الأغنيات التي كانت الجدات يهمسن بها للأطفال قبل النوم... كانوا أقلية في مدينة أراد لها الآخرون أن تنسى نفسها...  لكنهم كانوا يشبهون المسامير القديمة في سفينة عتيقة، لا يراها أحد، لكنها هي التي تمنع السفينة من التفكك... رفعت عينيها نحوي عندها... وكانت تعرف أنني لا أتحدث عن التاريخ فقط... بل عن أناس ما زالت بعض وجوههم تعبر شوارع المدينة كل صباح...  فقلت .. أتدرين ما أعجب ما في يافا .. ؟  أنها قاومت حتى بالصمت... قاومت بأن بقيت عربية في قلب الضجيج... وبأن ظل المؤذن يرفع صوته قرب البحر... وبأن بقيت أسماء العائلات القديمة تتردد رغم كل ما تبدل حولها ...  وبأن استمرت الحكايات تنتقل من الجد إلى الحفيد كأنها شعلة لا يجوز أن تنطفئ... ثم أشرت بيدي إلى الامتداد العمراني البعيد الذي يبتلع الساحل شمالا... كانت الأضواء قد بدأت تشتعل هناك... صفوف طويلة من الأبراج والزجاج والخرسانة... مدينة حديثة تبدو من بعيد كأنها تحاول أن تقنع البحر بأنها ولدت هنا... قلت .. انظري هناك...  تلك المدينة التي نمت فوق القرى المنسية... فوق الحقول التي كانت تعرف أسماء أصحابها... وفوق طرقات كان المارة يسمعون فيها العربية قبل أن يسمعوا أي لغة أخرى ... هناك كانت قرية هادئة تنام بين البحر والبساتين... وكان اسمها أقدم من الخرائط الجديدة كلها... لكن الأسماء القديمة لا تعجب المنتصرين عادة... لذلك يغيرونها... كما يغيرون أسماء الشوارع... وكما يغيرون أسماء الأنهار... وكما يحاولون أحيانا تغيير ذاكرة الأرض نفسها... سكت قليلا... ثم أضفت ..  تلك المدينة أصبحت لاحقا قلب الدولة التي قامت فوق أنقاض الحكايات الكثيرة... أصبحت مركز القوة والمال والقرار...  وصارت تبدو كأنها الوجه الذي أراد الغزاة أن يقدموه للعالم...  مدينة زجاجية سريعة الإيقاع... تجري نحو المستقبل بكل ما تملك من سرعة... لكنها، مهما ارتفعت أبراجها، تبقى أصغر من أن تلغي ذاكرة قرية واحدة كانت قائمة قبلها... وأصغر من أن تمحو اسم شيخ نام ذات يوم تحت أشجارها... وأصغر من أن تجعل الأرض تنسى أصحابها...  تنهدت هي ببطء...  ثم نظرت إلى البحر... فقلت .. والأعجب من ذلك كله... أن هذه السواحل التي ظنها البعض قد استسلمت للنسيان، ما زالت تسمع أصداء المعارك البعيدة... في بعض الليالي كانت السماء تشتعل فوق البحر... وتأتي الرسائل من الجنوب... من الأرض المحاصرة التي ما زالت تقاتل رغم الجراح .. وتأتي أحيانا من جهات أبعد... من أماكن لا تراها العين لكن يصل صداها إلى الساحل... وكانت المدينة الزجاجية هناك ترتجف على ضوء الإنذارات... وتحسب للمسافات حسابا جديدا...  أما يافا...  فكانت تبدو في تلك اللحظات كعجوز حكيمة تجلس على الشاطئ... تراقب المشهد بصمت... كأنها تقول للزمن ..  لقد رأيت من الحروب ما يكفي...  ومن الغزاة ما يكفي...  ومن الإمبراطوريات ما يكفي...  وها أنا ما زلت هنا...  كان البحر هادئا على غير عادته...  والليل يزداد عمقا...  فأضفت ..  أحيانا أشعر أن الله منح هذه المدينة شيئا يشبه العناد النبيل...  كلما ظن الناس أن الحكاية انتهت...  بدأت من جديد...  وكلما ظنوا أن العربية ستخفت...  خرجت من نافذة أو مدرسة أو بيت قديم...  وكلما ظنوا أن الذاكرة ستشيخ ... أنجبت الذاكرة أبناء جددا يحملونها إلى المستقبل...  ولهذا يا سيدتي...  ليست معجزة يافا أنها نجت...  بل أن تظل، بعد كل ما مر عليها، قادرة على أن تحب البحر...  ويظل البحر قادرا على أن يحبها...  دخلت إليها أسماء جديدة لا تعرفها...  واختفت أسماء قديمة كانت جزءا من روح المكان...  تبدلت اللافتات... وتغيرت الخرائط...  وحاول كثيرون أن يجعلوا المدينة تنسى لغتها الأولى...  لكن المدن الحقيقية لا تصاب بفقدان الذاكرة...  قد يصيبها الحزن...  قد يصيبها الصمت...  لكنها لا تنسى...  أتدرين ماذا يحدث حين أمشي اليوم في أحيائها القديمة.. ؟  أشعر أنني أسير بين طبقتين من الزمن...  هناك واجهات حديثة تحاول أن تبدو سيدة المكان...  لكن خلفها تقف الحجارة العربية القديمة صامتة كأنها تعرف الحقيقة كلها...  في العجمي وفي الأزقة القريبة من الميناء القديم، ما زالت الأقواس الحجرية تتنفس...  ما زالت النوافذ المطلة على البحر تحمل ملامح أهلها الأولين...  وما زالت بعض الجدران تحفظ أسماء من مروا بها قبل أن يصبحوا لاجئين في المنافي...  أما المساجد، فلكل واحد منها حكاية تشبه جرحا مفتوحا...  بعضها بقي شاهدا رغم كل شيء...  وبعضها تغيرت ملامحه...  وبعضها وقف طويلا يقاوم النسيان وحده... وحين ترى المئذنة تعانق السماء وسط عالم تبدلت وجوهه، تشعر أن الحجارة نفسها ترفض الاستسلام...  وكثير من المعالم التي كانت تنبض بالحياة العربية أصابها ما يصيب الصور القديمة حين تعبث بها الأيدي الغريبة...  أضيفت ألوان ليست ألوانها...  وزرعت روايات ليست رواياتها...  وحاولت طبقات متراكمة من التزييف أن تخفي الوجه الأصلي للمدينة...  لكن الوجه الحقيقي لا يختفي...  يبقى كامنا تحت الأقنعة كلها...  هنا تنهدت بعمق، ثم نظرت إلى الشوارع الممتدة خلف الميناء وقالت ..  أحيانا أشعر أن المدينة تتكلم بصوتين في وقت واحد...  صوت يريدون له أن يعلو...  وصوت قديم يرفض أن يصمت...  ابتسمت وقلت ..  ولهذا ما زالت يافا يافا...  كانت الأمواج ترتفع وتهبط أمامنا... وكان الليل يتقدم ببطء فوق صفحة الماء...  فقلت ..  ومع ذلك...  يافا لم تمت...  هذه هي المعجزة...  بعد كل ما حدث، ما زالت العربية تخرج من نوافذها...  ما زالت أسماء العائلات القديمة تتردد في طرقاتها...  ما زالت رائحة القهوة الشرقية تتسلل من بعض البيوت...  ما زالت الأغاني القديمة تعرف الطريق إلى شرفاتها... وما زال أطفالها الذين بقوا هناك يحملون لغة الضاد كما يحمل المرء جذوة نار وسط الريح...  إنها مدينة تقاوم بطريقة مختلفة...  لا تقاوم بالبندقية وحدها... بل بالذاكرة...  بالاسم...  بالكلمة...  بالحكاية...  بأن يظل طفل ينطق اسمها كما نطقه جده...  وبأن تظل امرأة تعلق مفتاح بيت قديم على جدار منزلها...  وبأن يبقى البحر يسمع العربية كل صباح...  كانت الشمس قد غابت تماما... وأضاءت مصابيح المقهى الصفراء الصغيرة...  وبقي فوق الأفق خيط أحمر يشبه جرحا قديما لم يندمل...  عندها رفعت فنجانها للمرة الأخيرة، وارتشفت ما تبقى من قهوة المساء، بينما قلت لها بصوت خافت ..  القدس تشبه صلاة طويلة ترتفع من الأرض إلى السماء...  أما يافا فتشبه وعدا مؤجلا بين البحر وأصحابه...  وكل موجة تضرب هذا الشاطئ منذ سبعين عاما وأكثر، كأنها تحاول أن تعيد إلى المدينة أبناءها...  لهذا حين أنظر إلى يافا لا أراها مدينة مهزومة...  أراها امرأة وقفت أمام قرون من الغزاة والمذابح والاقتلاع، وخسرت أشياء لا تحصى، لكنها رفضت أن تنسى اسمها...  وما دام الاسم حيا...  فإن المدينة ما زالت حية...  ساد الصمت بيننا...  صمت لم يكن فراغا، بل امتلاء...  وكان الليل يهبط ببطء فوق البحر...  أما هي فكانت تنظر إلى الأفق بعينين تلمعان كأنهما تحملان المدينة كلها...  وأما يافا، فبدت هناك في البعيد، مثل نجمة قديمة فوق الماء... متعبة... لكنها ما زالت تضيء... 

وبالصمت المكلل بيننا... صمت لم يكن فراغا، بل امتلاء... صمت يشبه اللحظة التي تسبق عودة الغائب إلى بيته بعد عمر كامل من الانتظار... كان الليل يهبط ببطء فوق البحر، وكانت أضواء الميناء ترتجف فوق الماء كنجوم ضلت طريقها إلى السماء... أما هي فبقيت تحدق في الأفق طويلا... كأنها تحاول أن تحفظ المشهد كله في قلبها قبل أن يختفي... لم تقل شيئا... ولم أقل شيئا... فقد بدا الكلام أصغر من أن يحيط بما كان يدور في تلك اللحظة بين امرأة ومدينتها...  ثم نهضت بهدوء... ومشت نحو الشاطئ بخطوات بطيئة، كأنها تسير داخل حلم قديم ورثته عن الذين سبقوها... كان البحر يمد أمواجه نحو الرمل برفق، كما لو أنه يعرفها منذ زمن بعيد... توقفت عند حافة الماء، ونظرت إلى الموج طويلا... ثم بدأت تخلع ملابسها قطعة بعد أخرى دون تردد، كما لو أنها تتخفف من سنوات الغياب كلها... من المسافات... ومن المنافي... ومن الحكايات التي حملتها العائلة جيلا بعد جيل...  وعندما لامست قدماها الماء، لم تبد كمن يدخل البحر للسباحة... بل كمن يعود إلى أصل بعيد ظل يناديه طوال العمر... تقدمت أكثر، واحتضنتها الأمواج شيئا فشيئا... وكان البحر يرفعها ويخفضها برفق يشبه لمسة أم تستعيد ابنتها بعد فراق طويل... وفي تلك اللحظة بدا المشهد كله أشبه بطقس قديم من طقوس العودة... لا اغتسال جسد بالماء، بل تعميد روح بملح الذاكرة... كأن يافا كانت تسترد واحدة من بناتها، وكأن الابنة كانت تولد من جديد من رحم البحر الذي حمل اسم مدينتها عبر القرون...  وبقيت هناك بين الماء والليل... بينما كانت الأمواج تتكسر حولها وتعود... تتكسر وتعود... كأن البحر نفسه يردد اسمها واسم المدينة معا... أما يافا فبدت خلفها ساكنة ومضيئة تحت ضوء القمر... لا كمدينة وصلت إليها أخيرا... بل كأم عثرت على ابنتها بعد غياب عمر كامل...