الكاتب : يونس العموري
منذ تأسيس السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو، دخل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة غير مسبوقة من التعقيد البنيوي، إذ بات يجمع بين خصائص السلطة الناشئة تحت الاحتلال وبين خصائص حركة التحرر الوطني التي لم تنجز أهدافها التاريخية بعد. وقد أنتج هذا الواقع حالة من التداخل بين المرجعيات السياسية والقانونية، بحيث أصبح من الصعب تحديد مركز السيادة الفعلي أو الجهة صاحبة القرار النهائي داخل النظام الفلسطيني ...
فعلى المستوى النظري، بقيت منظمة التحرير الفلسطينية الإطار السياسي الأعلى والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، بينما نشأت السلطة الفلسطينية بوصفها نتاجاً لاتفاق سياسي مؤقت يفترض أن يدير شؤون الفلسطينيين في الأراضي المحتلة إلى حين الوصول إلى تسوية نهائية... إلا أن الممارسة السياسية خلال العقود الثلاثة الماضية دفعت باتجاه معاكس تماماً، حيث تحولت السلطة تدريجياً إلى مركز الثقل المالي والإداري والسياسي، بينما تراجعت مؤسسات منظمة التحرير إلى الخلف، وفقدت كثيراً من فعاليتها ودورها التاريخي في صياغة المشروع الوطني الفلسطيني...
لكن الإشكالية الأعمق لا تتعلق فقط بتراجع المنظمة أو صعود السلطة، وإنما بطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها الفلسطينيون أنفسهم ... فالنظام الفلسطيني لم يتحول إلى نظام دولة كاملة السيادة، كما أنه لم يعد يحتفظ بالخصائص الكلاسيكية لحركات التحرر الوطني التي كانت سائدة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. إنه يقف في منطقة رمادية بين النموذجين، فلا هو دولة مكتملة المؤسسات والقواعد الدستورية، ولا هو حركة تحرر تمتلك أدوات الكفاح الوطني الجامعة والقادرة على احتواء مختلف مكونات الشعب الفلسطيني... وهنا تكمن المعضلة الأساسية. فالقوانين التي تحكم حركات التحرر الوطني تختلف جذرياً عن القوانين التي تحكم الدول المستقرة. ففي حركات التحرر غالباً ما تتركز الشرعية في القيادة السياسية التي تمثل القضية الوطنية، وتكتسب المؤسسات قيمتها من قدرتها على خدمة مشروع التحرر. أما في الدول فإن الشرعية تنبع من المؤسسات والقوانين والانتخابات وتوزيع الصلاحيات... والمشكلة الفلسطينية أن النظام السياسي حاول خلال العقود الماضية الجمع بين النموذجين دون أن يحسم خياره النهائي ..
لقد ساهم الجمع بين مناصب رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس حركة فتح في يد شخص واحد في إخفاء هذا التناقض البنيوي لفترة طويلة... فالوحدة الشخصية للقيادة منعت بروز التناقضات بين المؤسسات ، وأوجدت مركزاً واحداً للقرار حتى وإن تعددت المرجعيات القانونية والتنظيمية... لكن هذا الترتيب لم يعالج أصل المشكلة، بل جعلها مؤجلة إلى لحظة انتقال السلطة أو تغير موازين القوى داخل النظام... واليوم، ومع تقدم الجيل المؤسس في العمر، وتراجع العديد من القوى التقليدية التي شكلت العمود الفقري للنظام الفلسطيني لعقود طويلة، تبرز أسئلة جديدة حول مستقبل القيادة الوطنية... ففصائل عديدة كانت في مراحل سابقة شريكاً أساسياً في صناعة القرار الوطني فقدت جزءاً كبيراً من حضورها الشعبي والتنظيمي، بينما ظهرت قوى وتيارات جديدة تسعى إلى حجز موقعها داخل المشهد الفلسطيني، سواء من خلال العمل السياسي أو من خلال الحضور الميداني أو الخطاب الجماهيري المختلف...
هذا التحول في موازين القوى يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مستقبل منظمة التحرير نفسها... فهل تستطيع المنظمة بصيغتها الحالية استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية التي طرأت على المجتمع الفلسطيني ..؟ وهل ما زالت قادرة على أداء وظيفتها التاريخية كإطار جامع لمختلف التيارات والقوى ..؟ أم أنها تحتاج إلى إعادة تأسيس سياسية وتنظيمية تعيد إنتاج شرعيتها على أسس جديدة تتلاءم مع التحولات الجارية ..؟
في هذا السياق، يصبح الحديث عن إمكانية الفصل بين رئاسة السلطة ورئاسة منظمة التحرير ورئاسة حركة فتح أكثر من مجرد نقاش حول الأشخاص والمناصب، بل يتحول إلى نقاش حول طبيعة النظام السياسي الفلسطيني المقبل... من الناحية القانونية والتنظيمية، لا يوجد ما يمنع أن يكون رئيس السلطة شخصاً، ورئيس اللجنة التنفيذية شخصاً آخر، وقائد حركة فتح شخصاً ثالثاً. بل إن مثل هذا النموذج موجود في العديد من النظم السياسية حول العالم. غير أن خصوصية الحالة الفلسطينية تجعل المسألة أكثر تعقيداً، لأن التداخل بين الشرعية الوطنية والشرعية الدستورية والحضور التنظيمي ما زال قائماً بصورة كبيرة... فإذا تولى شخص رئاسة السلطة الفلسطينية، فإنه سيحوز على أدوات الإدارة اليومية والموارد المالية والأجهزة التنفيذية... أما إذا كان شخص آخر يقود منظمة التحرير، فسيكون من الناحية النظرية ممثلاً للشعب الفلسطيني بأسره، بما يشمل ملايين الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية... وإذا كان قائد حركة فتح شخصاً ثالثاً، فإنه قد يمتلك النفوذ التنظيمي والشعبي الأوسع داخل مؤسسات النظام نفسه... وعند هذه النقطة يصبح السؤال الحاسم .. أين يوجد مركز القرار الحقيقي.. ؟
إن التجارب التاريخية لحركات التحرر الوطني تشير إلى أن تعدد مراكز القيادة قد يكون مصدر قوة إذا كانت المؤسسات قوية وقواعد اللعبة السياسية واضحة، لكنه قد يتحول إلى مصدر صراع إذا كانت الشرعيات متداخلة وغير محسومة. ففي الحالة الفلسطينية لا تزال العلاقة بين السلطة والمنظمة علاقة ملتبسة ، فالسلطة تستمد جزءاً كبيراً من شرعيتها السياسية من المنظمة، بينما تعتمد المنظمة في بقائها العملي على الموارد والإمكانات التي توفرها السلطة... وهذه العلاقة التبادلية تجعل أي فصل بين القيادتين مرشحاً لإنتاج نزاعات حول الاختصاصات والتمثيل والقرار... ويزداد الأمر تعقيداً إذا ما أضفنا البعد الفتحاوي إلى المعادلة... فحركة فتح لم تكن تاريخياً مجرد فصيل من بين فصائل عدة، بل كانت الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة وشكلت الإطار الحاكم لمنظمة التحرير ومؤسسات السلطة... ولذلك فإن أي تباعد بين قيادة الحركة وقيادة السلطة أو المنظمة لن يكون مجرد خلاف حزبي عادي، وإنما قد ينعكس على مجمل النظام السياسي الفلسطيني... ومع ذلك، فإن هناك من يرى أن مرحلة ما بعد القيادة التقليدية قد تفرض بالضرورة نموذجاً جديداً أكثر تعددية... فاحتكار المناصب الثلاثة في يد شخصية واحدة كان مرتبطاً بظروف تاريخية معينة وبوجود قيادات تمتلك شرعية كفاحية ووطنية استثنائية. أما الأجيال الجديدة فقد تجد نفسها مضطرة إلى توزيع مراكز النفوذ بين عدة شخصيات وتيارات باعتبار ذلك الوسيلة الوحيدة للحفاظ على التوازن داخل النظام ومنع الانفجار الداخلي... لكن نجاح مثل هذا النموذج يتوقف على شرط أساسي يتمثل في إعادة بناء المؤسسات الوطنية... فلا يمكن الحديث عن تعدد رؤوس داخل نظام يعاني أصلاً من ضعف المؤسسات وتعطل آليات الرقابة والمساءلة وتأخر تجديد الشرعيات... إذ إن تعدد الرؤوس في غياب المؤسسات لا يؤدي إلى التوازن، بل إلى التنافس على الشرعية والنفوذ... واستشرافاً للمستقبل، يبدو أن الفلسطينيين قد يكونون أمام مرحلة انتقالية تتسم بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير والفصائل السياسية الكبرى... وقد نشهد خلال السنوات القادمة محاولات لإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها المرجعية الوطنية العليا، خصوصاً إذا تصاعدت القناعة بأن السلطة بصيغتها الحالية لم تعد قادرة وحدها على حمل المشروع الوطني الفلسطيني... وفي المقابل، قد تتجه الأمور نحو تكريس واقع جديد تصبح فيه السلطة مركز النظام الفعلي، بينما تتحول المنظمة إلى إطار رمزي يمنح الشرعية السياسية دون أن يمتلك القدرة الحقيقية على التأثير... وبين هذين الاحتمالين يبرز سيناريو ثالث يتمثل في نشوء صيغة قيادية متعددة الأقطاب، تتوزع فيها مراكز النفوذ بين شخصيات ومؤسسات مختلفة ضمن تفاهمات سياسية جديدة... غير أن نجاح أي من هذه السيناريوهات سيظل مرهوناً بالإجابة عن سؤال أكبر من مسألة الأشخاص والمناصب، وهو سؤال المشروع الوطني نفسه... فحركات التحرر لا تُقاس فقط بهياكلها التنظيمية، بل بقدرتها على إنتاج رؤية جامعة للمستقبل... وكلما تراجعت هذه الرؤية، ازدادت الصراعات حول المواقع والصلاحيات ... أما إذا جرى تجديد المشروع الوطني وإعادة بناء مؤسساته التمثيلية، فإن تعدد الرؤوس قد يتحول من مصدر أزمة إلى أحد أشكال التوازن السياسي الطبيعي داخل نظام وطني أكثر نضجاً وقدرة على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة...



