الكاتب : سامي مشعشع
هناك لحظات في تاريخ المؤسسات، رغم الإخفاقات السياسية والبيروقراطية وخيبات الأمل العميقة بأدائها العام، يصبح فيها من الضروري التوقف أمام أعمال استثنائية من الشجاعة والمسؤولية التاريخية.
ما قامت به مجموعة من موظفي الأونروا الدوليين والفلسطينيين لإنقاذ وحماية أرشيف اللاجئين الفلسطينيين من غزة والقدس من الدمار والاندثار هو بلا شك واحد من تلك الأعمال التي ستبقى محفورة في الذاكرة الوطنية الفلسطينية.
أقول ذلك بصفتي شخصاً عمل داخل الأونروا لمدة اثنين وثلاثين عاماً، وتقاعد عام 2022 بعد عقود في مواقع قيادية وأدرك تماما عظمة ما قاموا به. لقد كنت، وما زلت، من أشد المنتقدين للأداء الكارثي للإدارة العليا للأونروا والمفوض العام السابق خلال حرب الإبادة على غزة خصوصأ جريمة ترك الموظفين واللاجئين مكشوفين في جنوب القطاع بداية حرب الإبادة، إلى الانسحاب من مقر الأونروا في القدس تحت الضغط الإسرائيلي المتصاعد، إلى العجز عن فضح الاستهداف المنهجي الذي أودى بحياة مئات من موظفي الوكالة، وصولاً إلى الفشل في الارتقاء سياسياً وأخلاقياً إلى حجم الكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني.
هذه الانتقادات لا تزال مشروعة وحاضرة.
لكن الإنصاف التاريخي يفرض أيضاً الاعتراف بما قام به أولئك الموظفون والموظفات الذين عملوا، تحت القصف والحصار والتهديدات السيبرانية والملاحقة السياسية، على تنفيذ واحدة من أهم عمليات إنقاذ الذاكرة الفلسطينية الحديثة.
فما جرى إنقاذه لم يكن مجرد ملفات إدارية أو أوراق قديمة. بل كان أرشيفاً حياً يضم بطاقات تسجيل اللاجئين الأصلية منذ عام 1948، وشهادات الميلاد والزواج والوفاة، والسجلات العائلية، والوثائق التي توثق القرى والمدن التي هُجّر منها الفلسطينيون خلال النكبة. إنها الأدلة الحية على الوجود الفلسطيني، وعلى الاقتلاع والمنفى والاستمرارية التاريخية لشعب حاولت مشاريع المحو المتعاقبة طمس روايته وحقوقه.
كيف قاموا بإنقاذ الأرشيف ؟
مع اشتداد القصف الإسرائيلي على غزة أواخر عام 2023 وبدايات 2024، عاد عدد محدود من موظفي الأونروا الدوليين مراراً إلى مقر الوكالة في مدينة غزة مستخدمين شاحنات صغيرة مستأجرة، بينما كانت الغارات والقذائف تتساقط في محيطهم. وعلى عدة مراحل، نقلوا كميات هائلة من الوثائق إلى رفح قبل أن يغلق الاجتياح الإسرائيلي آخر منفذ للخروج.
ثم تحولت العملية إلى جهد إقليمي معقد شارك فيه موظفون وشركاء إنسانيون عبر غزة ومصر والأردن والقدس. جرى نقل أجزاء من الأرشيف بشكل متدرج وسري ضمن حقائب ووثائق اعتيادية لتجنب لفت الانتباه. وفى ذات الوقت وضمن ظروف قاهرة كانت مجموعات أخرى من الموظفين، وقبل خروجهم الأخير من القدس، يعملون بصمت ودون لفت الانتباه على إخراج أرشيف القدس المهدد بالمصادرة أو التدمير مع تصاعد الهجمة الإسرائيلية على الأونروا ومقارها.
وفي نهاية المطاف، وصل ٣٠ً مليون من الوثائق إلى الأردن، حيث بدأ أكثر من خمسين موظفاً من الأونروا عملية شاقة لتصوير وأرشفة الوثائق توثيقا رقمياً بهدف حماية الذاكرة الفلسطينية من الضياع، وتوثيق أنماط التهجير منذ عام 1948، وصون الأدلة التى لا بد وان تصبح يوماً جزءاً أساسياً من أي مسار مستقبلي للعدالة وحق العودة.
قبل عشرة أعوام، كان لي شرف قيادة الجهود الرامية إلى حماية أرشيف الأونروا السينمائي والفوتوغرافي، الذي ضم مئات الأفلام التاريخية وقرابة نصف مليون صورة توثق النكبة، والاقتلاع، وحياة اللجوء، ومسيرة خدمات الأونروا عبر العقود. وقد شمل هذا الأرشيف أكثر من 430 ألف نيغاتيف (أفلام صور أصلية)، و10 آلاف صورة مطبوعة، و85 ألف شريحة عرض (سلايد)، و75 فيلماً وثائقياً، و730 شريط فيديو، لتشكل مجتمعةً واحداً من أهم الأرشيفات البصرية الفلسطينية والعربية المعاصرة. لذلك أدرك تماماً القيمة السياسية والتاريخية والإنسانية لما أُنجزه الزملاء.
إن ما فعله هؤلاء الموظفون يتجاوز مجرد إنقاذ أوراق ووثائق. لقد أنقذوا ذاكرة شعب بأكمله من المحو. حافظوا على الرواية الفلسطينية من التبديد، وصانوا أدلة النكبة من الضياع، وحموا حق الأجيال القادمة في معرفة جذورها وقراها ومدنها وتاريخها.
سيُذكر هؤلاء باعتبارهم حراس الذاكرة الفلسطينية في زمن الإبادة والمحو.
لن ننسى ولهم ترفع القبعات.



