الكاتب : إياد أبو روك
في ظل هذا المشهد الدولي المضطرب يبرز سؤال بات يفرض نفسه بإلحاح على كل من يتابع ما يجري في المنطقة والعالم: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومابين ذاك الخبر وتلك التحليلات أصبحنا في حالة من الفوضى المتسارعة التي يصعب معها تحديد أين تبدأ الأزمة وأين يمكن أن تنتهي. العالم يبدو وكأنه يسير بخطى ثابتة نحو المجهول في وقت تتداخل فيه الحسابات السياسية بالمصالح الشخصية وتختلط فيه رهانات القوة بأوهام الهيمنة. إن الحرب على إيران لا يمكن النظر إليها فقط من زاوية المواجهة العسكرية بل يجب فهمها ضمن سياق أوسع يتعلق بمحاولات إعادة رسم توازنات المنطقة وفق مصالح قوى ترى في التصعيد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية داخلية وخارجية سواء بالنسبة إلى دونالد ترامب أو بنيامين نتنياهو . في ظل تصاعد واضح في لغة التهديد والمواجهة. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التصعيد الأمريكي الإسرائيلي لم يعد يقتصر على الرسائل السياسية بل انتقل إلى مستوى أكثر خطورة يهدد بتوسيع رقعة الصراع وانعكاساته على المنطقة والعالم بأسره.
لكن الخطأ الأكبر في تقديري، يكمن في الاعتقاد بأن إيران يمكن التعامل معها بالمنطق ذاته الذي استُخدم في ساحات أخرى مثل غزة أو لبنان . إيران ليست دولة صغيرة محاصرة وليست جبهة محدودة يمكن الضغط عليها لإجبارها على التراجع خلال فترة زمنية قصيرة . نحن أمام دولة ذات امتداد جغرافي هائل وعمق حضاري وتاريخي يمتد لقرون، وتضاريس معقدة تجعل أي رهان على الحسم العسكري السريع أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الواقع الميداني. إن من يقرأ التاريخ الإيراني جيدًا يدرك أن هذا البلد بني عبر مسار طويل من الصراعات والتحولات الكبرى وأن فكرة الصمود والتضحية جزء أساسي من بنيته النفسية والسياسية. ولهذا فإن الرهان على أن الضغط العسكري والحصار الاقتصادي وارتفاع أعداد الضحايا يمكن أن يقود إلى استسلام سريع يبدو قراءة سطحية لطبيعة هذا المجتمع وطبيعة النظام الذي يحكمه.
إن التجارب السابقة أثبتت أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع دائما النتيجة التي يتوقعها صانعو القرار. في كثير من الأحيان يؤدي القصف والحصار إلى نتيجة معاكسة تتمثل في زيادة التماسك الداخلي وتعزيز الخطاب العقائدي الذي يدفع المجتمعات إلى مزيد من الصمود. وفي الحالة الإيرانية، يبدو هذا الأمر أكثر وضوحا لأن بنية الدولة لا تقوم فقط على مؤسسات سياسية تقليدية بل على منظومة فكرية وعقائدية تعتبر الدفاع عن السيادة جزءا من الهوية الوطنية. لذلك فإن من يراهن على أن الضغط العسكري وحده سيؤدي إلى انهيار داخلي سريع لا يقرأ المشهد بدقة كافية. بل إن مثل هذا الضغط قد يدفع قطاعات أوسع من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة حتى وإن كانت هناك اختلافات داخلية في الرؤى والمواقف.
أما الحديث عن إمكانية اندلاع ثورة داخلية نتيجة الحرب فهو بدوره يحتاج إلى قراءة أكثر عمقا. الشعوب قد تثور، نعم، لكن الثورات الحقيقية لا تُفرض من الخارج، ولا تنجح إذا ارتبطت في وعي الناس بمخططات الخصوم. أي تغيير داخلي لا بد أن يكون نابعًا من إرادة المجتمع نفسه، من قناعاته الذاتية، ومن حاجته الداخلية إلى التحول، لا من رغبات زعيم في واشنطن أو تل أبيب. ولهذا أعتقد أن الرهان على تغيير سياسي مفروض من الخارج هو رهان هش، لأن المجتمع الإيراني مهما كانت خلافاته الداخلية، قد ينظر إلى مثل هذا السيناريو على أنه تدخل خارجي يستهدف الدولة لا الإصلاح.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الموقف الأوروبي الذي بدا أكثر حذرًا وتحفظًا تجاه الانخراط المباشر في الحرب. فالدول الأوروبية تدرك جيدًا أن إشعال مواجهة بهذا الحجم في قلب الشرق الأوسط لن يبقى أثره محصورًا داخل حدود إيران، بل سيمتد إلى أسواق الطاقة، وخطوط الملاحة، والاقتصاد العالمي، خاصة في ظل حساسية ملف مضيق هرمز. أوروبا، على ما يبدو قرأت المشهد بصورة أكثر واقعية، وأدركت أن توسيع الحرب قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية واسعة يصعب احتواؤها لاحقا....
إن ما يقلق في هذا المشهد ليس الحرب نفسها فقط، بل العقلية التي تديرها، تلك العقلية التي ما زالت تعتقد أن أدوات الماضي ما زالت صالحة لإنتاج نتائج المستقبل. العالم تغير، والشعوب تغيرت، وخرائط النفوذ لم تعد كما كانت قبل عقود. إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو الاستمرار في إدارة الأزمات بمنطق القوة وحدها، دون فهم عميق لتعقيدات التاريخ والجغرافيا والعقيدة والهوية الوطنية. الحروب تبدأ بقرار سياسي، لكن نهاياتها لا يملكها أحد، ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه العالم اليوم ليس من سينتصر في هذه الحرب، بل ما الذي سيبقى من المنطقة ومن النظام الدولي إذا استمرت هذه الفوضى في التوسع.



