الكاتب : مصطفى إبراهيم
مع دخول الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران يومها الخامس عشر، تكشف التحليلات العسكرية في إسرائيل عن صورة مركبة للحملة الجارية. فمن جهة، تتحدث المؤسسة العسكرية عن تصعيد غير مسبوق في حجم الضربات الجوية واتساع دائرة الأهداف داخل العمق الإيراني، ومن جهة أخرى تتزايد التقديرات التي تشير إلى أن الطريق نحو الحسم العسكري ما زال بعيداً، وأن الحرب قد تتجه تدريجياً إلى نمط من الاستنزاف المتبادل.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه إسرائيل أنها نجحت في إلحاق أضرار واسعة بالبنية العسكرية الإيرانية، تشير التقديرات نفسها إلى أن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات صاروخية كافية لمواصلة الضغط على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، كما أنها تمتلك أدوات إقليمية قد توسع نطاق المواجهة إذا قررت استخدام كامل أوراقها.
ضربات واسعة داخل العمق الإيراني ..
تشير التقديرات والتحليلات العسكرية الإسرائيلية إلى أن العمليات الجوية ضد إيران بلغت مستوى غير مسبوق من الكثافة خلال اليوم الخامس عشر من الحرب. فخلال يوم واحد فقط جرى استهداف أكثر من مئتي هدف في طهران وغرب إيران، شملت مخازن صواريخ ومنشآت للصناعات الصاروخية ومناطق صناعية في تبريز وأصفهان، إضافة إلى مصانع ميكانيكية وإلكترونية ومواقع لإنتاج أنظمة الدفاع الجوي.
كما طالت الضربات مخازن ذخيرة وقواعد للحرس الثوري والباسيج ومنصات إطلاق وأنظمة دفاع جوي، في محاولة لتقويض البنية العسكرية التي تعتمد عليها إيران في إدارة الحرب.
وبحسب تقديرات إسرائيلية مختلفة، فقد قُتل ما بين ثلاثة آلاف إلى سبعة آلاف من عناصر الأجهزة الأمنية الإيرانية منذ بداية الحرب. ورغم أن إيران تمتلك مئات الآلاف من العناصر العسكرية والأمنية، تشير بعض التحليلات إلى أن الضربات المتواصلة خلقت حالة من الضغط والارتياب داخل المنظومة الأمنية.
كما تم تأكيد مقتل رئيس إدارة الاستخبارات في مقر “خاتم الأنبياء” ونائبه، بينما كان الرئيس السابق للإدارة قد قُتل في الأيام الأولى من الحرب، وهو ما تعتبره إسرائيل نجاحاً عملياتياً في استهداف القيادات العسكرية.
استراتيجية تفكيك القدرة العسكرية الإيرانية ..
بعيداً عن الأرقام اليومية للضربات، تشير القراءة الإسرائيلية إلى أن الهدف الأساس للحملة الجوية لا يقتصر على تدمير مخزون الصواريخ الحالي، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك منظومة إنتاج القوة العسكرية الإيرانية.
ولهذا السبب تركز الضربات بشكل متزايد على مصانع الصناعات الصاروخية وخطوط الإنتاج الميكانيكية والإلكترونية ومنشآت إنتاج أنظمة الدفاع الجوي، إضافة إلى مخازن المواد الخام المستخدمة في تصنيع الصواريخ.
وتقوم الفكرة الأساسية في هذه الاستراتيجية على أن تعطيل القدرة الصناعية لإيران على إنتاج الصواريخ مستقبلاً قد يكون أكثر أهمية من تدمير الصواريخ الموجودة حالياً، إذ إن إعادة بناء هذه القدرات قد تستغرق سنوات طويلة.
الصواريخ الإيرانية: ضغط منخفض لكن مستمر ..
رغم حجم الضربات الجوية، ما يزال معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية منخفضاً نسبياً، إذ يقل عن عشرين صاروخاً يومياً، وغالباً ما يتم إطلاق صاروخ أو اثنين في كل دفعة.
ويشير محللون عسكريون إسرائيليون إلى أن إيران تعتمد تكتيكاً يقوم على توزيع الضربات زمنياً وجغرافياً، بحيث يتم إطلاق صاروخ نحو شمال إسرائيل وآخر نحو الوسط وثالث نحو الجنوب بفواصل زمنية قصيرة، بهدف إبقاء الجبهة الداخلية في حالة استنزاف مستمر واختبار منظومات الدفاع الجوي.
وقد شمل الاختبار في الأيام الأخيرة مدينة إيلات أيضاً. ويُلاحظ أن بعض الصواريخ مزودة برؤوس حربية عنقودية، وهي لا تسبب دماراً واسعاً عادة لكنها تنشر ذخائر صغيرة على مساحات واسعة قد تمتد إلى كيلومترات.
ومن الناحية العسكرية، فإن تأثير هذه الرؤوس محدود نسبياً، لكن خطرها يكمن في انتشار الشظايا والذخائر الصغيرة التي قد تصيب الأفراد في المناطق المفتوحة.
أداء منظومات الدفاع الجوي ..
تقدّر إسرائيل أن نسبة اعتراض الصواريخ الإيرانية تصل إلى نحو تسعين في المئة، وهي نسبة أعلى من المعدلات المعتادة. كما تشير التحليلات إلى أن استهلاك الصواريخ الاعتراضية لا يزال أقل مما كان عليه خلال عملية “الشعب كالأسد”.
ويرجع ذلك جزئياً إلى أن عدد الصواريخ المطلقة أقل بنحو النصف مقارنة بتلك العملية، إضافة إلى نجاح الضربات الجوية في استهداف منصات الإطلاق والبنية التحتية للصواريخ.
ومع ذلك، يقر محللون عسكريون إسرائيليون بأنه لن يكون من الممكن تدمير جميع منصات الإطلاق، ما يعني أن إطلاق الصواريخ سيستمر على الأرجح حتى نهاية الحرب، وإن كان بمستوى منخفض نسبياً.
الدور الأمريكي في الحرب ..
في المقابل، كثفت الولايات المتحدة ضرباتها ضد الصناعات الصاروخية الإيرانية، وركزت عملياتها في المناطق الساحلية ضد منصات الإطلاق وأنظمة الدفاع الجوي.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى احتمال زيادة استخدام القاذفات الثقيلة ضد المنشآت النووية الإيرانية، ضمن خطة عمليات مشتركة مع إسرائيل، وهو ما قد يمثل مرحلة جديدة وأكثر حساسية في الحرب إذا ما تم تنفيذ مثل هذه الضربات.
توتر إقليمي متصاعد ..
في موازاة العمليات العسكرية داخل إيران، يتسع التوتر في الإقليم. فبعد الهجوم الذي استهدف جزيرة خرج النفطية، شنت إيران هجوماً على منشأة نفطية في الفجيرة بالإمارات، وهددت بتوسيع الهجمات لتشمل موانئ أخرى في المنطقة.
كما أعلنت طهران أنها ستمنع مرور السفن الأمريكية والإسرائيلية فقط في مضيق هرمز، بينما ستسمح لبقية السفن بالعبور، في محاولة للحفاظ على الضغط دون التسبب بإغلاق كامل للمضيق.
وفي الوقت نفسه تشير تقارير إلى نشاط متزايد لقوى مرتبطة بإيران في العراق واليمن، ما يثير مخاوف إسرائيلية من احتمال تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع.
الجبهة اللبنانية واحتمال التوسع ..
في لبنان، تواصل إسرائيل ضرباتها الجوية ضد أهداف لحزب الله، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت ومواقع القيادة ومنصات إطلاق الصواريخ والجسور فوق نهر الليطاني.
وفي الوقت نفسه يجري التحضير لاحتمال توسيع المناورة البرية في جنوب لبنان، مع حشد قوات إضافية على الجبهة الشمالية.
وفي الخلفية، تحاول الولايات المتحدة وفرنسا دفع مسار تفاوضي جديد يشمل وقف إطلاق النار ونزع سلاح حزب الله عبر الحكومة اللبنانية، مقابل حوافز سياسية واقتصادية للبنان.
لكن بعض المحللين الإسرائيليين يشككون في قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ مثل هذا السيناريو، مشيرين إلى تجارب سابقة لم تُترجم فيها التعهدات السياسية إلى تغييرات فعلية على الأرض.
اختلاف الأهداف بين واشنطن وتل أبيب ..
تشير بعض التحليلات الإسرائيلية إلى وجود اختلاف في أهداف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالولايات المتحدة تنظر إلى الصراع في سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام الدولي وموازين القوى العالمية، بما في ذلك التنافس مع الصين والسيطرة على طرق التجارة والطاقة.
أما الهدف الإسرائيلي فيُعرّف بصورة أكثر مباشرة: إضعاف إيران عسكرياً إلى درجة تجعلها تحتاج سنوات طويلة لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
حرب بلا نهاية واضحة ..
في المحصلة، ترى التحليلات الإسرائيلية أن إسرائيل والولايات المتحدة تمكنتا حتى الآن من إلحاق خسائر عسكرية كبيرة بإيران. لكن في المقابل، ما زال مستقبل الحرب غير واضح.
فإذا أدى الضغط العسكري إلى إضعاف النظام الإيراني بشكل كبير أو إلى تغييرات داخلية، فقد يفتح ذلك الباب أمام نظام إقليمي جديد . أما إذا استمر النظام الإيراني في الصمود، فإن تقليص قدراته العسكرية سيظل في حد ذاته إنجازاً استراتيجياً بالنسبة لإسرائيل.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم في التقديرات الإسرائيلية هو ليس فقط حجم الضربات أو عدد الأهداف التي يتم تدميرها، بل القرار السياسي بشأن توقيت إنهاء الحرب وهو قرار تشير معظم التحليلات إلى أنه سيبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بالموقف الأمريكي ومسار التطورات الإقليمية في الأسابيع المقبلة.



