الكاتبة : سهير سلامة
في إحدى ليالي عام 1948، وقد خيم الصمت والخوف على أزقة قرية صغيرة، اخذت من جمال الطبيعة، ما جعلها تتزين بثوبها الاخضر، بتير، تلك القرية الوادعة، الهادئة، كانت البيوت شبه خالية، وقد غادر كثير من أهلها هربا من القتل والخوف، الذي اقترب من القرى المجاورة.
بدت القرية وكأنها على وشك أن تُمحى من الخارطة، في تلك الليلة المظلمة، وقف ذلك الرجل اللامع ذكاءا، كان الصحافي، حسن مصطفى، يتأمل البيوت الصامتة. لم يشأ أن يرى قريته مهجورة، أو تسقط بسهولة، فخطر في ذهنه حلا بسيطا لكنه ذكي.
حمل إبريق الكاز وسار بين الأزقة الحجرية، يطرق بابا تلو الآخر، كان يدخل البيوت الفارغة، ويشعل فيها الفوانيس والمصابيح، بيتا بعد بيت، بدأ الضوء ينتشر في القرية، حتى بدت من بعيد، وكأنها مليئة بالحياة والسكان.
وهناك على التلال المحيطة، كان المهاجمون يراقبون، بصمت، يرون الأضواء في كل مكان، فظنوا أن وراء هذه الحجارة، ارواح تتنفس وتنتظر لحظة الهجوم، لم يخطر على بالهم ان هناك ماردا واحدا، اخذ على عاتقه حمل روحه على راحته، واثر البقاء صامدا داخل قريته، فتراجعوا ولم يجرؤوا على الاقتراب من المنازل.
أما حسن مصطفى، فوقف عند طرف الطريق يتأمل الأضواء التي أشعلها بيديه. كانت تلك المصابيح الصغيرة تحمل معنى كبيرا أن الذكاء، والشجاعة، قد ينقذان أرضا بأكملها.
وبفضل البصيرة، المتقدة، تعيش بتير اليوم، كأيقونة جمالية وتاريخية، نالت من التراث العتيق ابداعه، ومن ترابها تتنفس عطر، الياسمين، الابيض.
وهكذا مرت تلك الليلة، وبقيت بتير صامدة، تشهد أن فكرة ذكية قد تحمي قرية، وأن نورا صغيرا قد يبدد ظلام الخوف، وان الوعي هو اول خطوات التحرير .



