الكاتب : د.علاء أبوعامر
دخلت العلاقات البريطانية - الأمريكية في منعطف هو الأخطر منذ أزمة السويس عام 1956، وذلك عقب التصريحات النارية التي أدلت بها وزيرة الخارجية البريطانية، ييفيت كوبر، في الثامن من آذار/ مارس الجاري. لم تكن كلمات كوبر مجرد رد فعل على انتقادات عابرة، بل كانت إعلاناً رسمياً عن نهج دبلوماسي جديد ،يضع حداً لسياسة التماهي الكامل مع البيت الأبيض التي طالما وسمت لندن بالتابع الوفي .
جذور الصراع: من "جرينلاند" إلى "طبول الحرب"
لم يكن انفجار الموقف وليد الصدفة؛ فالمؤشرات بدأت تتراكم منذ مطلع عام 2026. البداية كانت مع التهديدات التجارية بفرض رسوم جمركية عقابية على الحلفاء، ثم تعمقت الفجوة برفض لندن الانضمام لمجلس السلام ، الذي أسسه ترامب خارج إطار الأمم المتحدة. إلا أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت الملف الإيراني؛ حيث رفض رئيس الوزراء كير ستارمر الانجرار لضربات هجومية استباقية، وهو ما رد عليه ترامب بلغة تهكمية طالت هيبة الدولة البريطانية، واصفاً ستارمر بالضعف.
جاء رد كوبر ليعيد رسم الخطوط الحمراء. تأكيدها على أن لندن لن تقوم بتعهيد سياساتها الخارجية لأي عاصمة أجنبية هو اعتراف ضمني بأن الضغوط الأمريكية بلغت حداً لم يعد مسموحاً به. استحضار كوبر لدروس حرب العراق، كان ضربة معلم دبلوماسية، فهي رسالة للداخل البريطاني بأن الحكومة لن تكرر أخطاء الماضي، ورسالة لواشنطن بأن زمن الشيكات المفتوحة في الدعم العسكري قد ولى.
التقارير الواردة من الصحافة البريطانية (مثل The Guardian و The Times) تشير إلى أن هذا الصدام يعكس أزمة أعمق داخل حلف الناتو. فبريطانيا، التي تحاول موازنة اقتصادها بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، تدرك أن الانخراط في صراعات عسكرية جديدة قد يدمر استقرارها المالي. وفي المقابل، يرى ترامب أن العلاقة الخاصة يجب أن تكون علاقة قيادة وتبعية، وهو ما لا يتوافق مع رؤية ستارمر لبريطانيا السيادية.
في اعتقادي،إن الموقف الذي اتخذته ييفيت كوبر يضع "العلاقة الخاصة" أمام اختبار الوجود. فإما أن تتحول هذه العلاقة إلى شراكة حقيقية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة، أو أننا نشهد بداية طلاق دبلوماسي بارد، حيث تشرع لندن في بناء تحالفات أوروبية ودولية أكثر توازناً بعيداً عن تقلبات المزاج السياسي في واشنطن. لقد اختارت بريطانيا الاشتباك الدبلوماسي بدلاً من الانحناء، مدركةً أن ثمن الكرامة الوطنية قد يكون باهظاً، لكن ثمن التبعية المطلقة بات يفوق الاحتمالات.
إذاّ يبدو أن بريطانيا قررت أخيراً خلع ثوب الرجل الثاني في المسرح العالمي. تصريحات كوبر ليست مجرد شجاعة لفظية، بل هي انعكاس لواقع جيوسياسي جديد لم تعد فيه القوة الصلبة الأمريكية كافية لإخضاع الحلفاء التاريخيين. السؤال الآن: هل يمتلك ترامب المرونة لاستيعاب بريطانيا المستقلة، أم أننا سنشهد إجراءات عقابية تجارية تزيد من عزلة لندن؟
الأيام القادمة ستحمل الجواب.



