الكاتب: د. أحمد قبها
في اللحظة الوطنية الأكثر تعقيدا، ومع اتساع رقعة الاستهداف الاحتلالي للأرض والإنسان والمؤسسات، تبرز حاجة ملحة لإعادة طرح سؤال جوهري طال تجاهله: من يقود المرحلة القادمة؟
وهل ما زالت أدواتنا البشرية والتنظيمية قادرة على مواجهة معركة مفتوحة تتجاوز الإدارة اليومية إلى معركة وجود وهوية؟
إن المعركة المقبلة مع الاحتلال ليست معركة خدمات فقط، ولا صراع مواقع داخل هيئات محلية، بل هي معركة على شكل الحكم المحلي، وعلى قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والتنظيم والمبادرة. وفي مثل هذه المعارك، لا يكفي التمسك بالوجوه ذاتها، مهما كان تاريخها أو نضالها، بل لا بد من تدافع أجيال واع ومسؤول يضمن الاستمرارية والتجديد معا.
لقد آن الأوان لأن تُمنح فئة الشباب دورا حقيقيا، لا شكليا، في قيادة المجالس المحلية والبلديات، فهم ليسوا فقط “مستقبل الوطن” كما درج الخطاب التقليدي على توصيفهم، بل هم حاضره النابض وقاعدته الحاملة.
شباب يمتلكون المعرفة، والقدرة على التنظيم، والاحتكاك المباشر مع قضايا الناس، والأهم: الاستعداد لتحمل الكلفة الوطنية في مواجهة الاحتلال ومشاريعه الإحلالية.
إن استمرار احتكار المواقع المحلية من قبل الوجوه ذاتها، تحت ذرائع الخبرة أو “المرحلة الحساسة”، لا يخدم المشروع الوطني، بل يكرس الجمود، ويعمق الفجوة بين القيادة والجيل الصاعد، ويفتح الباب أمام الإحباط والعزوف، وهو ما يسعى الاحتلال نفسه إلى تعزيزه.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع على عاتق:
القيادة السياسية والفصائل: بفتح المجال أمام الشباب لتصدر القوائم، لا الاكتفاء بزجهم في مواقع متأخرة أو رمزية، وإدراك أن من خدم فترات طويلة الأولى به أن يتجه إلى مواقع أوسع وأشمل من الهيئات المحلية، حيث تُصاغ السياسات العامة ويُخاض الاشتباك السياسي المباشر.
العائلات والقوى الاجتماعية: بالخروج من منطق الوصاية والاحتكار، ومنح أبنائها وبناتها من الشباب الثقة الكاملة لخوض غمار العمل العام، بعيدا عن الحسابات الضيقة.
الشباب أنفسهم: بالمبادرة، والتنظيم، وفرض حضورهم كقوة وطنية مسؤولة، لا تنتظر الإذن ولا تكتفي بدور المراقب.
إن بناء شباب وطني قادر على حمل المجالس والبلديات ليس ترفا سياسيا، بل شرط من شروط الصمود الوطني. فالمجالس المحلية ليست مؤسسات خدمات فقط، بل خطوط تماس يومية مع الاحتلال، ومنصات اشتباك سياسي واجتماعي واقتصادي.
إننا بحاجة إلى وجوه جديدة، لا لتجميل المشهد، بل لإعادة الروح إلى العمل العام، وتجديد الثقة بين المجتمع ومؤسساته، والاستعداد لمعركة طويلة تتطلب نفسا جديدا، وأدوات جديدة، وقيادات قادرة على الفعل لا الاكتفاء بالإدارة.
فالشباب إن لم يُمنحوا اليوم حق القيادة، فلن يُمنحوه غدا، وإن لم نُحسن إعدادهم وتحميلهم المسؤولية الآن، فسنخسر جيلا كاملا، وتخسر معه قضيتنا أحد أهم عناصر قوتها.
إنها لحظة شجاعة مطلوبة من الجميع…
شجاعة التراجع خطوة، كي يتقدم الوطن خطوات.



