ثقافة

تجريد الموت من إنسانيته في فيلم نازا "الضرر الجانبي": سيميائية الرقم مقابل الجسد

4 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

 

بقلم : د. ايمان عبدالكريم حجازي 

هز عرش الرواية الصهيونية  "الجيش الإسرائيلي هو الجيش  الأكثر أخلاقية في العالم ", -فيلم  بريطاني -إسرائيلي من اخراج  المخرجان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل تسور ". الفيلمً يحمل عنواناً استثنائياً، (الضرر الجانبي- نازا) والذي هو مصطلح عسكري بامتياز، ومن خلاله يقدم الفيلم صدمة سينمائية سيميائية فلسفية غير معهودة للمحافل الدولية . فالفيلم لا يكتفي برصد آثار الدمار المادي في قطاع غزة، بل ذهب الي أبعد من ذلك لكونه يغوص عميقاً فيما يُعرف بالمنظومة الرقمية التي تتعامل مع سكان غزة كمخرجات برمجية وليس كبشر. في تلك المنظومة ,الإنسان الفلسطيني لا يملك اسماً، بل يملك رقماً ليكون هدفاً.  

تعتمد الدراسة الحالية  علي نظرية تشارلز سأندر بيرس والذي صنف العلامات إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الأيقونة (تشابه المرجع)، المؤشر (ترتبط بالمرجع)، والرمز (علاقة).

أولا :  سيميائية ظهور الشهود:  شهادات 24 ضابطاً من الاستخبارات الإسرائيلية كانت كفيلة بأن تفضح للعالم أجمع أخلاقية الجيش الذي ينظر للضحايا المدنيين على أنهم ضحايا جانبيون ورَقْمَنَة الموت لأبعد درجة. هؤلاء الشهود الذين أداروا ماكينة القتل الرقمية يظهرون كأشباح مجهولة؛ بوجوه مغطاة ومشوّشة، وحوّلت القاتل البشري إلى القاتل الرقمي ليفتقد الملامح الإنسانية أثناء ضغطه على الأزرار، فهم اكتسبوا خصلات الآلة من جحود ونكران ليصبح الإنسان البشري متواطئاً مع الآلة, حينما تم تصوير الضباط كظلال سوداء معتمة، وجُعل منهم أرقام مفرغة أو كائنات برمجية، هربت من الشاشات. 

ثانيا: سيميائية العنوان  : نعود للعنوان من الناحية السيميائية؛ العنوان المختصر "نازا" هو اختزال لجملة من كلمتين، كلاهما يحمل أبعاداً كارثية إلى كلمة مقتضبة أشبه بمصطلح تقني. تبدأ السيميائية من العنوان ذاته "الضرر الجانبي"، كلمة تحمل بين طياتها المعنى العسكري بامتياز، متمثلاً بإزاحة الجسد البشري. ولكن هناك أبعد من ذلك، وهو قنبلة ناتجة عن ضغطة زر لإزاحة عائلة كاملة. 

ثالثا: سيميائية الشاشة :  يمنح فيلم نازا الجنود الحصانة الأخلاقية الزائفة كأداة للتطهير الأخلاقي. عندما يضغط الضابط على لوحة المفاتيح لإرسال قنبلة، هو لا يرى دماءً أو أشلاءً؛ هو يرى رقماً يختفي من الشاشة أو يتغير لونه بمجرد ضرب الهدف. وهنا تظهر سيميائية الشاشة الرقمية عندما تكون المسافة بين الضغط على الزر والنتيجة هي إبادة عائلة كاملة. وقد أظهر أحد الشهود كيف تحوّل رَقْمَنَة الهدف عاطفة الأبوة إلى سبب رئيس في الإبادة. "أين أبي"، عنوان حنون، ولكنه مرعب ويتجلى الرعب السيميائي حينما تتحول الشوق للأب مأساة رقمية. على الشاشة "أين أبي" والتي حملت بين طياتها دلالة أكثر بعداً عن الإنسانية والأكثر رعباً. .

ببساطة (تكة زر) نتيجة تعقب الهاتف المحمول للمستهدف وهو الوالد، تتحول الإشارة الرقمية المتعلقة بدخول الأب المنزل ليتناول العشاء مع عائلته، الي هدف شرعي حين تقوم المنظومة تلقائياً بإصدار أمر القصف . .

هنا، تتجلى السيميائية حين تصبح الإشارة الرقمية وهي الدخول إلى المنزل هي العلامة المسببة للموت، محوّلةً اللحظة الإنسانية الأكثر حميمية الخاصة بلقاء الأب بأطفاله إلى فخ للاستئصال الرقمي الممنهج. وهنا أيضاً تلتقي قمة التقنية بقمة الفظاعة حين تتحول كبسة زر إلى موت محقق.

خلاصة نقدية 

نجح الفيلم بتعرية التطور الرقمي واستغلاله كأداة قتل مُشرّعة، تقوده منظومات الذكاء الاصطناعي التي لا تخضع للمعايير الدولية التكنولوجية. وأيضاً أثبتت مخرجات الفيلم أن الجريمة الإسرائيلية المعاصرة لم تعد بحاجة إلى وحوش ساديين يقابلونك وجها لوجه، بل إلى تقنيين ومبرمجين ومحللي بيانات يثقون في الأرقام كثقتهم بحقهم في الدفاع عن أنفسهم، ويسجدون في محراب محاربة الإرهاب . .

السيمائية الرقمية في الفيلم هي صرخة تحذيرية مرعبة؛ فعندما تنجح التكنولوجيا في تحويل دماء البشر إلى مجرد أرقام وإحصائيات على شاشة باردة، تسقط الإنسانية كاملة في فخ الإبادة المنظمة.

يثبت فيلم "نازا" أن الحرب الرقمية ليست أكثر نظافةً أو دقة كما تدعي إسرائيل، بل هي وسيلة تكنولوجية لشرعنة فظائع غير مسبوقة قانونياً وأخلاقياً