الشاعر : محمد العداربة / الاردن
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ،
بَحْرٌ يُعَلِّي قَامَاتِ الزَّبَدِ،
وَيَفْرُدُ أَمْوَاجَهُ،
بَحْرٌ يَغْلِي،
أَخْبَرَنِي وَهُوَ عَبُوسٌ:
أَلَّا أَسْبَحَ فِي أَحْدَاقِهِ.
(1)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ زَمَنٌ
يَشْعُرُ بِالإِرْهَاقِ
مِنْ شِدَّةِ دَوَرَانِهِ،
فَتَمَدَّدَ فَوْقَ بِسَاطِ الغَيْمِ
وَنَامَ،
فَتَنَفَّسْتُ طَوِيلًا
لِأُعِيدَ هَوَائِيَ المَسْلُوبَ.
(2)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ أَحْزَانٌ تَتَلَاشَى،
غِرْبَانٌ تَسَاقَطُ مِنْ فَوْقِ الشَّجَرِ العَارِي،
وَشُعَاعٌ يَصْعَدُ مِنْ أَحْدَاقِ اليَاقُوتِ.
(3)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ قَمَرٌ يَكْتُبُ نَصَّ الضَّوْءِ عَلَى الآثَارِ،
قَمَرٌ عَسَلِيٌّ فَوَّاحٌ،
حَرَّرَنِي مِنْ أَصْفَادِي،
طَيَّرَنِي،
صَفَّقَ فِي الجَوِّ بِأَجْنِحَةٍ لازَوَرْدِيَّةٍ.
أَوْقَفَنِي عَلَى كَفَّيْهِ وَزَخْرَفَنِي.
(4)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ رَفَعْتُ أَسْتَارَ العَتَمَاتِ،
شَعَّ يَقِينٌ أَخْبَرَ رُوحِي
أَنْ تَبْتَسِمَ وَتَمْحُوَ فِي الوَجْدِ العَبَرَاتِ.
(5)
فِي السَّفَرِ امْرَأَةٌ أَعْذَبُ مِنْ نَبْعٍ،
لَمَسَتْنِي بِأَنَامِلِهَا،
وَأَضَاءَتْ نَارِي،
سَحَبَتْ سُحُبِي،
وَغَنَّتْ فِي اللَّيْلِ مَوَاوِيلَ الشَّوْقِ عَلَى أَشْجَارِي.
(6)
فِي السَّفَرِ ثُلُوجُ المَعْنَى تَسَاقَطَتْ فِي اللَّحَظَاتِ السَّاحِرَةِ،
فَأَشْرَقْتُ مِثْلَ صَبَاحٍ يَفْصِلُنِي عَنْ قَانُونِ الزَّمَنِ،
فَلَا يَعْنِينِي مَا قَالَ الزَّمَنُ عَنِ الإِطْفَاءِ.
فَالضَّوْءُ بِأَوْرِدَتِي يَسْرِي،
اِسْكُنْنِي،
الجَوْزَاءَ.
(7)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ كَانَ الزَّمَنُ بَطِيئًا،
وَالسَّاعَاتُ الحُلْوَةُ أَسْرَعُ مِنْ صَوْتٍ،
ثَمَّةَ
رُوحٌ فَاضَتْ نُورًا مَعَ ذَوَبَانِ الوَقْتِ،
لَمْ يَعُدْ لِلْوَقْتِ سُلْطَةٌ،
صَارَ كَوْمًا مِنْ رَمَادٍ،
وَالبَيَاضُ الحُلْوُ غَنَّى فِي اشْتِعَالَاتِ المَصَابِيحِ
فَوْقَ أَشْلَاءِ السَّوَادِ.
(8)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ نَارٌ تُسَعِّرُ جِسْمِي،
مَا مِنْ شَيْءٍ أَطْفَأَهَا
غَيْرَ النَّجْمَةِ فِي الأُفُقِ السَّاكِنِ،
رَشَقَتْنِي بِقَذَائِفَ مِنْ بَرْدٍ،
حَتَّى خَمَدَتْ نَارِي.
(9)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ جَرَّ الزَّمَنُ ذُيُولَ هَزِيمَتِهِ،
وَتَمَطَّى فَوْقَ جَلِيدٍ،
ثُمَّ تَجَمَّدَ.
(10)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ
فَيْضُ حَنِينٍ،
خَلَعْتُ فِيهِ الرُّوحُ رِدَاءَ الطِّينِ.
(11)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ صَحْرَاءُ عَابِسَةٌ،
مَرَّ الغَيْمُ وَخَصَّبَهَا،
وَفِي بِضْعَةِ أَيَّامٍ لَبِسَتْ سُنْدُسَهَا
الفَضْفَاضَ وَضَحِكَتْ.
(12)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ
مَوْجٌ أَرْغَى وَأَزْبَدَ،
أَلْقَاهُمْ فَوْقَ الشَّاطِئِ
دُونَ حَرَاكٍ.
سِرْبُ نَوَارِسَ كَانَ يُغَنِّي فَوْقَ المَوْجِ وَيَصْطَادُ الأَسْمَاكَ.
(13)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ
دَوَّارُ حَمَامٍ.
امْرَأَةٌ تَلْبَسُ ذَيَاكَ الفُوشِيَّ الرَّاهِجَ كَالمَرْجَانِ.
تَنْعُفُ قَمْحًا ثُمَّ تَطِيرُ مَعَ الأَسْرَابِ،
وَتَرْحَلُ فِي الأَحْلَامِ.
(14)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ
فِنْجَانُ القَهْوَةِ قُرْبَ المَوْجِ الهَادِرِ، مَا أَطْيَبَهُ.
أَجْمَلُ مَا فِيهِ أَنْ تُرْخِيَ الأَسْمَاعَ
لِتَسْمَعَ ضَحِكَتَهُ.
(15)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ
أَرْضٌ وَسَمَاءٌ،
قَالَتْ: سَأَضُمُّ الجِسْمَ وَأَسْحَبُهُ لِلظُّلْمَاءِ،
ثُمَّ أُذِيبُهُ فِي حُبٍّ وَأُغَنِّي.
لَكِنْ سَمَاءٌ قَالَتْ:
سَأُحَلِّقُ فِي الرُّوحِ،
وَأَسْكُنُهَا عُشَّ البَرْزَخِ،
كَيْ تَنْتَظِرَ عَلَى شَوْقٍ
نَفْخَ الصُّورِ،
كَيْمَا تَسْكُنَ جَنَّتَهَا العَذْرَاءَ.
(16)
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ
جَرْدٌ لِلذَّاكِرَةِ،
وَتَصْفِيرٌ لِلْمَعْرِفَةِ،
حُضُورٌ وَغِيَابٌ،
وَحْيٌ يَتَجلَّى مِنْ بَيْنِ ظِلَالِ الدَّهْشَةِ،
يَفْتَحُ كُلَّ الأَبْوَابِ.
فِي السَّفَرِ المُمْطِرِ

