ثقافة

وطنٌ يمشي معي

2 مشاهدة
وطنٌ يمشي معي
الشاعر: يوسف حنا
.
لم تكوني وطنًا
لأَنّني احتميتُ بكِ
من بردِ العالم،
بل لأَنّني
حين دخلتُ عينيكِ
نسيتُ للمرّةِ الأولى
أَنّ للغريبِ جهةً أخرى.
كنتِ بلادًا
لا تظهرُ على الخرائط،
حدودُها
ارتعاشةُ يد،
وعاصمتُها
قلبٌ صغير
يُضيءُ في العتمة
حين تنطفئُ المدن.
منذ عرفتُكِ
لم أَعد أَسأَلُ الطريقَ
إِلى أَين يأخذُني؛
كنتُ أَعرفُ أَنَّ الطريقَ
مهما طال،
سيعودُ في آخرِهِ
إِلى صوتِكِ.
كنتِ وطنًا
من النوع الذي لا يحتاجُ
إِلى جوازِ سفر؛
يكفي أَن أضعَ رأسي
على كتفِكِ
كي تعبرَ روحي
كلَّ المنافي
دون أَن يفتّشَها أَحد.
فيكِ
كانت لي طفولةٌ أخرى.
أَشجارٌ
لم تُقطع،
وبيوتٌ
لم تُغلَق أَبوابُها
في وجوهِ العائدين،
وأُمٌّ تتركُ الضوءَ
مشعلًا عند النافذة
وتقولُ للغائب:
ستجدُ البيتَ
حين تعود.
كنتِ تحفظينَ
الأَشياءَ التي نسيتُها عني:
رائحةَ المطرِ الأَول،
طعمَ الخبزِ
حين كانَ الجوعُ بسيطًا،
ضحكةَ أَبي
وهي تعبرُ الممرَّ القديم،
واسمَ الشارعِ
الذي محتهُ السنواتُ
من ذاكرةِ المدينة.
وحين كنتُ أَقولُ لكِ:
"أنا بخير"،
كنتِ تعرفينَ أَيَّ جزءٍ مني
كانَ يكذب.
أَيّتها المرأة
التي جعلتِ من جسدِكِ
ذاكرةً تمشي،
كم من وطنٍ
يحتاجُ إِلى امرأَة
كي يتذكّرَ اسمَه؟
وكم من رجلٍ
يظلُّ منفيًّا
حتى يعثرَ على امرأَةٍ
تقولُ له،
دون أَن تقول:
أَنتَ هنا.
كنتِ لي
مثلَ نافذةٍ
فتحتها الحياةُ
في جدارٍ لم يعدْ يرى.
وحين ضاقتِ الأَرضُ
كنتِ تتّسعين.
وحين ضاقَ قلبي
كنتِ تفتحينَ فيه
غرفةً جديدة.
وحين صار العالمُ
أكثرَ قسوةً
كنتِ تضعين يدَكِ
على كتفي
كأَنّكِ تقولينَ للخراب:
ليس بعد.
ليس الآن.
ليس هذا الرجلُ
لك.
أَحببتُكِ
لا لأَنكِ أنقذتِني،
بل لأَنّكِ جعلتِني
أَرغبُ في النجاة.
وهذا فرقٌ كبير.
فالخلاصُ
ليس أَن تهربَ من البحر،
بل أَن تجدَ
في عاصفتِهِ
يدًا تعرفُ كيف تُمسكُ يدَك.
وليس الوطنُ
أَن تمتلكَ أَرضًا
لا يغادركَ أَحدٌ فيها،
بل أَن تجدَ قلبًا
إِذا غادرتَهُ
ظللتَ تسمعُ في داخلِكَ
خطواتِ العودة.
أَحيانًا
كنتُ أَخافُ عليكِ
منّي.
فأَنا رجلٌ
يحملُ في داخلِهِ
مدنًا مهدّمة،
ومقابرَ
لا تعرفُ أَسماءَ موتاها،
وطرقاتٍ
تعودُ كلُّها
إِلى بابٍ مغلق.
لكنّكِ
لم تخافي من خرابي.
دخلتِ إِليه
كما يدخلُ الضوءُ
بيتًا مهجورًا،
لا ليهدمَ العتمة،
بل ليعلّمَها
كيف تصبحُ نافذة.
وحين كنتِ تغيبين،
لم يكنْ الغيابُ
أَن تبتعدي.
كانَ أَن يصبحَ العالمُ
أَوسعَ ممّا ينبغي.
الكرسيُّ
يصيرُ جزيرةً.
السريرُ
يصيرُ قارةً باردة.
والنافذةُ
تفتحُ على بلادٍ
لا أَعرفُ لغتَها.
كنتُ أَفتقدكِ
كما يفتقدُ المنفيُّ
ترابًا
لا يستطيعُ أَن يشرحَه.
فالوطنُ ليس ما نعرفُه
حين نكونُ فيه؛
الوطنُ ما نعرفُ قيمتَه
حين لا يعودُ في متناولِ أَيدينا.
يا وطنَ الروح،
يا المرأَةَ التي لم تكنْ
امرأَةً فقط،
بل المكانَ الذي
استطاعَ قلبي أَن يسكنَه،
لو سأَلوني يومًا:
أَين وطنُك؟
لن أشيرَ إِلى مدينة،
ولا إِلى جبل،
ولا إِلى بحر.
سأضعُ يدي على صدري
وأقول: هنا.
هنا
حيث ما زالتْ ضحكتُها
معلّقةً في الهواء،
هنا
حيث ما زالت يدُها
تتركُ دفءَها
على كتفي،
هنا
حيثُ كلُّ ما فقدتُه
يستطيعُ أَن يعودَ
ولو للحظة.
وإِذا كانَ لي
أَن أَحملَ وطنًا واحدًا
إِلى آخرِ العمر،
فلن أَحملَ ترابَه.
سأَحملُ امرأَة.
امرأةً
كلّما ضاقتِ الأَرضُ
اتّسعتْ في داخلي،
كلّما أَضاعَ العالمُ
خرائطَه،
أَعادتْ إِلى قلبي
جهاتِه الأَربع،
وكلّما شعرتُ
أَنّني صرتُ غريبًا
حتى عن اسْمي،
نادَتني
باسمي القديم،
فعرفتُ
أَنّني ما زلتُ حيًّا.
لذلك
حين أَحببتُكِ
لم أَقل:
أَنتِ وطني.
كان ذلك أَقلَّ
من الحقيقة.
قلتُ في سرّي:
أَنتِ المكانُ
الذي عادَ إِليه
قلبي
بعد أَن أَمضى عمرَه
يظنُّ أَن المنفى
قدرُه الأَخير.
ومنذ ذلك الحين
لم تعدِ الأَرضُ
هي التي تحملُني.
صرتُ أَحملُ وطنًا
يمشي معي.
.
*لوحة "سلمى" (1981) للفنان الفلسطيني سليمان منصور