ثقافة

إلى حيفا برفقة سيدة الصباح ... 

11 مشاهدة
إلى حيفا برفقة سيدة الصباح ... 

الكاتب : يونس العموري 

في مساء يشبه وعدا مؤجلا منذ زمن بعيد، طلبت منه أن يأخذها إلى حيفا. لم يكن في صوتها فضول سائح يبحث عن مدينة جديدة، بل حنين غامض إلى مكان شعرت أنها تعرفه رغم أنها لم تره من قبل. .. لذلك لم يسألها عن السبب، واكتفى بابتسامة هادئة ووعدها بأن يكون اللقاء مع الفجر، فبعض المدن لا تكشف وجهها الحقيقي إلا لمن يصلها مع الضوء الأول...  وكان يعرف في قرارة نفسه أن بعض الرحلات تبدأ نحو المدن، لكنها تنتهي إلى أماكن أبعد في القلب مما يتخيل المسافرون. ..

ومع انبثاق الصباح كانت حيفا تستيقظ بين البحر والكرمل... جلسا في مطعم عربي قديم يتشبث بإحدى التلال المطلة على المتوسط، حيث امتد الماء الأزرق حتى حدود الأفق، فيما ارتفعت خلفهما السفوح الخضراء كأنها ذاكرة حجرية تحفظ ما عجزت الكتب عن حفظه... وكانت رائحة القهوة العربية تمتزج بعبق الزعتر والزيتون والملح القادم من الميناء، فتمنح المكان شعورا بأن الزمن هنا يسير بإيقاع مختلف. جلست سيدة الصباح قبالته، وكانت عيناها تسبقان الكلمات إلى البحر، بينما اكتفى رفيق الدرب بتأمل ذلك المشهد الهادئ الذي جمع بين زرقة الماء وهدوء ملامحها... 

منذ اللحظة الأولى بدا له أن المدينة بدأت تمارس سحرها القديم... كانت تتأمل الأفق بصمت طويل، كما لو أنها تحاول استعادة شيء تعرفه روحها وتجهله عيناها... وكان يتأملها هي أيضا، متعجبا كيف استطاعت ابنة الحنين أن تنظر إلى البحر وكأنها تستعيد موعدا قديما ضاع منها ذات زمن. وحين أخبرها أن بعض المدن تسكن القلب قبل أن تطأها الأقدام، لم تبد متفاجئة... بل ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تشبه نافذة تفتح فجأة على ضوء دافئ، فشعر أن الصباح صار أكثر اتساعا مما كان...  فحيفا لم تكن بالنسبة إليها اسما على خريطة، بل ذكرى بعيدة تشبه الحنين إلى بيت لم تعش فيه قط... 

وأمام ذلك البحر الذي استقبل عبر القرون شعوبا وسفنا وحكايات لا تحصى، راحت المدينة تكشف نفسها ببطء... فمن هذا الساحل عبر الفينيقيون والرومان والتجار والحجاج والرحالة، وهنا ظل الجبل يراقب الموج جيلا بعد جيل، حتى أصبحت حيفا نافذة مفتوحة بين الشرق والبحر، وبين الحكاية والتاريخ. لكنها لم تكن مدينة ميناء فحسب، بل مدينة ولدت من عناد الحجر، وكلما حاولت العواصف اقتلاعها عادت أكثر رسوخا... وكان في هذا العناد ما يذكره بشيء آخر ، بذلك الهدوء العميق الذي كانت تخفيه خلف نظراتها البعيدة، وكأنها هي أيضا تعلمت من المدن كيف تبقى قوية رغم ما مر عليها... 

وحين وصل الإفطار، بدا المشهد كله كأنه قطعة صغيرة من فلسطين، خبز طابون ساخن، وزيت زيتون، وزعتر بري، وشاي بالنعناع... كانت تفاصيل بسيطة، لكنها تحمل في داخلها وطنا كاملا. ومن تلك التفاصيل بدأت الحكاية الحقيقية للمدينة...  وحين ناولها قطعة من خبز الطابون، التقت أصابعهما للحظة عابرة، لكنها كانت كافية لتضيف إلى دفء الشاي دفئا آخر لم يأت من النعناع ولا من شمس الصباح... 

فحيفا ليست مدينة واحدة، بل طبقات متراكمة من الزمن. تحت كل شارع حكاية، وتحت كل حجر أثر لإنسان مر من هنا وترك شيئا من روحه...  وما تزال أحياؤها القديمة تحتفظ بأسمائها رغم كل ما مر عليها، وادي النسناس، ووادي الصليب، والبلدة التحتا، والكبابير. وكأن الأسماء نفسها اختارت أن تقاوم النسيان حين تغيرت أشياء كثيرة حولها. ومن فوق الجميع كان الكرمل يقف في مكانه القديم، لا كجبل فحسب، بل كذاكرة كاملة قائمة على كتفي البحر. فمنذ قرون والناس ينسجون حوله الحكايات، وكان البحارة حين تلوح قمته من بعيد يعرفون أنهم اقتربوا من المرافئ الآمنة. أما هو فكان يشعر أن شيئا داخله يقف بالثبات ذاته كلما اقتربت منه ابنة الحنين خطوة أخرى، حتى وإن لم تقل شيئا... 

غير أن حيفا لا تُفهم حقا دون المرور على جرحها الأكبر...  ففي ربيع عام 1948 كانت المدينة تعيش حياتها الطبيعية ، مدارس ومقاه وصحف وموانئ وأسواق تعج بالحركة...كان الناس يخرجون إلى أعمالهم ويعودون إلى بيوتهم وهم يظنون أن الغد يشبه الأمس. ثم جاء زمن انقلب فيه كل شيء دفعة واحدة... خرجت عائلات كاملة وهي تظن أن غيابها لن يدوم سوى أيام، فحملت مفاتيح البيوت وأوراق الملكية وصور الأبناء والأعراس، لكنها لم تكن تعرف أن الأيام ستتحول إلى عقود، وأن الانتظار سيصبح عمرا كاملا...  بقيت البيوت في أماكنها، وبقيت الأزقة والأشجار والنوافذ المطلة على البحر، لكن كثيرا من الأصوات التي ملأتها يوما بالحياة غابت. ومع ذلك لم تمت المدينة. فقد بقي فيها من بقي، يحمل الذاكرة كما يحمل جمرة مخبأة تحت الرماد، ويحرس اللغة والأسماء والحكايات من الذوبان في النسيان. وربما لهذا السبب بدت حيفا مختلفة عن مدن كثيرة أخرى، فهي لا تعيش بالمباني والشوارع وحدها، بل بما تختزنه من ذاكرة جماعية استطاعت أن تنجو رغم كل ما تعرضت له...  كانت تصغي إلى حديثه عن تلك السنوات بعينين يختلط فيهما الحزن بالفهم، بينما شعر هو أن بعض الأرواح تعرف معنى الفقد حتى لو لم تعشه بنفسها... 

ومن بين أولئك الذين اختاروا البقاء برزت أسماء تحولت إلى جزء من روح المدينة نفسها. كان أميل حبيبي واحدا منهم ، الأديب الذي عرف كيف يحول الوجع إلى أدب، والسخرية إلى شكل من أشكال المقاومة، فكتب عن الفلسطيني الذي بقي في وطنه بعد النكبة، وعن الإنسان الذي يحاول الحفاظ على كرامته وسط عالم انقلب رأسا على عقب... وبالقرب من ذلك الصوت استمرت صحيفة الاتحاد تؤدي دورها الصعب، حاملة الصوت العربي في سنوات حاولت فيها العزلة أن تبتلع كل شيء. وهكذا ظلت الكلمة تؤدي دورها الصامت، مؤكدة أن الشعوب لا تدافع عن وجودها بالبندقية وحدها، بل بالثقافة واللغة والذاكرة أيضا. التفتت إليه وهي تصغي إلى حديثه، فرأت في عينيه ذلك الإيمان الهادئ بالأشياء التي تستحق أن تبقى، وأدركت أن المدن ليست وحدها التي تحمل ذاكرة طويلة...  ومع استمرار الصباح في الانفتاح فوق المدينة، بدت حيفا وكأنها تكشف طبقات جديدة من نفسها مع كل خطوة. كانت حدائق البهائيين تنساب على سفوح الكرمل في مدرجات خضراء متناسقة، كأنها سلالم من الضوء تهبط من أعلى الجبل نحو قلب المدينة. ولم تكن تلك الحدائق سوى صفحة أخرى من صفحات التنوع الذي عرفته حيفا عبر تاريخها الطويل، المدينة التي اعتادت أن تستقبل القادمين إليها من جهات مختلفة وتترك لكل منهم أثرا صغيرا في نسيجها الواسع. وكانت تمشي إلى جواره ببطء، فيما تتدفق المدرجات الخضراء أمامهما كأنها طريق صامت يهبط من الجبل إلى القلب... 

واردف قائلا .. يا نجمة الصبح الهادىء واتعلمين .. في مكان غير بعيد عن البحر يرقد عز الدين القسام، الرجل الذي جاء من بلاد الشام وحمل فلسطين في قلبه حتى أصبح جزءا من تاريخها. ومع مرور الزمن لم يعد مجرد اسم في كتاب، بل تحول إلى رمز من رموز الإرادة التي ترفض الاستسلام. وكما بقي قبره شاهدا على حضوره، بقيت سيرته تذكيرا بأن بعض الأشخاص ينجحون في تجاوز حدود أعمارهم ليصبحوا جزءا من ذاكرة الشعوب نفسها... 

وحين بدأ الطريق ينحدر نحو الساحل، عاد البحر إلى الواجهة من جديد. كان الميناء يلمع تحت شمس الصباح، فيما تتكسر الأمواج على الأرصفة التي شهدت آلاف لحظات الوصول والرحيل. هنا نزل التجار من سفنهم، وهنا ودعت العائلات أبناءها، وهنا أيضا بدأت قصص حب كثيرة وانتهت قصص أخرى. وكان البحر، أكثر من أي شيء آخر، يحتفظ بأرشيف المدينة غير المكتوب، وأرشيف من الخطوات والأصوات والانتظارات التي تعاقبت عليه منذ قرون...  ولعل لهذا السبب بدت حكاية دلال المغربي جزءا من المشهد لا حادثة منفصلة عنه. فقد خرجت من المنافي البعيدة حاملة صورة الوطن التي رسمتها الحكايات في خيال جيل كامل من اللاجئين. لم تكن قد عاشت فلسطين كما عاشها آباؤها، لكنها حملتها في داخلها كحقيقة كاملة. وعندما عبرت البحر نحو الساحل الذي طالما سمعت عنه، كانت تعبر المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع. وبغض النظر عن اختلاف الروايات حولها، بقي اسمها في الذاكرة الفلسطينية مرتبطا بفكرة العودة نفسها ، عودة الإنسان إلى المكان الذي ظل يسكنه حتى وهو بعيد عنه... 

وكان في ذلك شيء من مأساة فلسطين كلها. فكثيرون عرفوا الوطن من خلال الغياب قبل أن يعرفوه من خلال الحضور، وعرفوا الطرق المؤدية إليه عبر المنافي قبل أن يعرفوا أزقته وشوارعه وحدائقه. لذلك لم تكن العودة بالنسبة إليهم رحلة عادية، بل محاولة دائمة لترميم المسافة بين الذاكرة والواقع... 

وحين وصلا أخيرا إلى الشاطئ، بدا المشهد كأنه الخاتمة الطبيعية لكل ما سبق. كان البحر ممتدا بلا نهاية، والمدينة ترتفع خلفه في هدوء، فيما يقف الكرمل فوق الجميع كحارس قديم يعرف الحكاية كاملة. عند تلك اللحظة لم تعد حيفا مجرد موضوع للحديث أو مادة للتأمل، بل تحولت إلى شعور داخلي يصعب وصفه. شيء يشبه الحنين، لكنه أعمق من الحنين. ويشبه الانتماء، لكنه أوسع من حدود المكان...  كانت البيوت المتدرجة على السفوح تبدو وكأنها تحفظ آثار الذين مروا من هنا، بينما ظلت الشوارع تحمل صدى الخطوات القديمة، وظل البحر يحتفظ بأسماء العابرين فوق مياهه،  صيادين وتجارا ولاجئين وشعراء وعشاقا. وكلما اتسعت النظرة نحو الأفق، بدا الماضي والحاضر وكأنهما يلتقيان في نقطة واحدة لا يمكن الفصل بينهما. وحين هبت نسمة بحر خفيفة، أبعدت سيدة الصباح خصلة شعر عن وجهها، فتوقف رفيق الدرب عن الكلام للحظة. لم يكن في الأمر ما يستحق التوقف، لكنه اكتشف أن بعض التفاصيل الصغيرة تملك القدرة على إرباك أكثر الرجال هدوءا.

وفي تلك اللحظة فهمت أن سر حيفا لا يكمن في جمالها وحده، ولا في تاريخها وحده، ولا حتى في ما تحمله من وجع وذاكرة. كان سرها الحقيقي في قدرتها على البقاء حية داخل من يعرفها. فهي مدينة لا تكتفي بأن ترى، بل تطلب من زائرها أن يصغي إليها، وحين يفعل تترك في داخله شيئا من نفسها لا يغادره بعد ذلك أبدا. وربما لم يكن واضحا أيهما ترك أثره الأعمق في الآخر، المدينة في قلب ابنة الحنين، أم ابنة الحنين في قلب رفيق الدرب...  ولهذا لم تعد الرحلة بالنسبة إليها زيارة لمدينة على الساحل الفلسطيني، بل عودة إلى مكان شعرت أنها تعرفه منذ زمن طويل. عودة إلى حكاية كانت تنتظر أن تكتمل. عودة إلى مدينة نجحت، رغم كل ما مر بها، في أن تبقى واقفة بين الجبل والبحر، حاملة جراحها وذاكرتها وجمالها معا، ومواصلة السير في الزمن بثقة مدينة تعرف أن الحكايات الكبرى لا تنتهي، بل تتجدد مع كل جيل جديد يرفع عينيه نحو الكرمل أو يصغي إلى هدير الموج.

 

وعندما غادرا الشاطئ كانت الشمس قد ارتفعت عاليا فوق الماء، لكن شيئا من الصباح الأول ظل عالقا في قلبها. التفتت نحو المدينة مرة أخيرة، فرأتها كما لم ترها من قبل، لا بوصفها مكانا على الساحل، بل بوصفها ذاكرة تمشي على قدمين، ووجها من وجوه فلسطين التي ترفض أن تغيب. عندها أدركت أن بعض المدن لا نزورها حقا، لأن الزيارة تفترض مسافة بين الإنسان والمكان، بينما هناك مدن تذيب تلك المسافة منذ اللحظة الأولى. وحيفا كانت واحدة منها.

لهذا لم تشعر أنها تغادرها، بل شعرت أنها تحملها معها. تحمل بحرها وكرملها وأحياءها القديمة ووجوه أهلها وحكايات الذين رحلوا والذين بقوا. ومع كل خطوة كانت تبتعد فيها عن الساحل، كانت المدينة تقترب أكثر من روحها، حتى غدت جزءا منها لا يمكن فصله عنها. وكان ثمة شيء آخر تحمله معها أيضا ، ذلك الصمت الجميل الذي نشأ بين قلبين على مهل، دون وعد معلن ودون كلمات كبيرة...  ومنذ ذلك اليوم لم تعد حيفا بالنسبة إليها مدينة رأتها ذات صباح، بل مدينة عادت إليها بعد غياب طويل ، مدينة تسكن القلب أكثر مما تسكن الجغرافيا، وتعيش في الذاكرة أكثر مما تعيش في الحجر، وتبقى، مهما تعاقبت عليها السنوات، واقفة بين الجبل والموج مثل قصيدة فلسطينية طويلة، كلما ظن الزمن أنه بلغ سطرها الأخير، بدأت فصلا جديدا. أما رفيق الدرب فكلما تذكر ذلك الصباح، لم يعرف على وجه اليقين إن كان يشتاق إلى حيفا أم إلى تلك التي جعلته يرى حيفا بعينين جديدتين...