الشاعر: يوسف حنا
إلى الروائي والشاعر الفلسطيني إبراهيم نصرالله
الذي ذكّرني بأنّ أجملَ ما في هذا الكون
ليس ما يبقى،
بل ما يظلُّ، رغم هشاشتِه، جديرًا بالحبّ.
والذي قادني، عبرَ هشاشةِ الجمال وقوّتِه،
إلى تخومِ الفجرِ الأوّل،
حيث لم يكن الإنسانُ قد فقد دهشتَه بعد،
وحيث كانت الأسئلةُ تُضيء العالمَ أكثرَ مما تفعل النيران؛
محبّةً وامتنانًا، أُهدي هذه القصيدة.
.
*** طفولةُ الكون ***
.
في آخرِ الطريقِ،
حينَ يصيرُ الظلُّ أَقدمَ من صاحبه،
وتتعبُ الجهاتُ من تدويرِ خرائطها
حولَ عنقِ الريح،
يكتشفُ الإِنسانُ
أَنّه لم يكنْ يمضي إِلى الأَمام،
بل كان يبتعدُ ببطءٍ
عن شيءٍ نسيَ اسمَهُ
وما نسيَ حنينَه.
.
هناكَ،
وراءَ طبقاتِ الزمنِ المتحجِّرِ في العظام،
وراءَ المدنِ التي بنتْ أَسوارَها
من خوفِها،
وراءَ السيوفِ التي أَقنعتِ الحديدَ
أَنّه خُلِقَ للذبح،
تنامُ بدايةٌ أُخرى...
بدايةُ البداية.
النقطةُ الأولى
التي لم تكنْ نقطةً،
والضوءُ الأَوّل
قبلَ أن يتعلّمَ كيفَ ينقسمُ
إلى شمسٍ وظلال.
.
أَحنُّ إلى ذلكَ الفجرِ البعيد،
حينَ كانَ الإِنسانُ
يضعُ أُذنَهُ على صدرِ الغابة
ليسمعَ كيفَ تنبضُ الأَشجار،
لا ليحسبَ عددَ الأَخشاب.
حينَ كانَ يرفعُ حجرًا
ليكتشفَ ما تحته،
لا ليقذفَهُ على رأسِ أَخيه.
حينَ كانَ الفضولُ
أَطولَ قامةً من الرمح،
وكانَ الحبُّ
أَسرعَ من الدم.
.
أَحنُّ
إِلى أَوّلِ يدٍ
لامستْ الماءَ بدهشة،
فارتجفَ النهرُ
كأَنّه تعلّمَ للتوِّ
معنى المرآة.
إِلى أَوّلِ عينٍ
حدّقتْ في النجوم،
فشعرتِ السماءُ
أَنّها ليستْ وحيدة.
إِلى أَوّلِ قلبٍ
أَشعلَ نارًا صغيرةً
لا ليحرقَ العالم،
بل ليُدفِّئَ الليل.
.
كلُّ الأَشياءِ الجميلةِ
كانتْ قابلةً للكسر.
الجناحُ.
الوردةُ.
الصوتُ المرتجفُ في الحنجرة.
ضحكةُ الطفل.
وعدُ العاشق.
النجمةُ المنعكسةُ
في قطرةِ ندى.
حتى الفجرُ نفسه
كانَ هشًّا
كبيضةِ نورٍ
تحملُها أصابعُ العتمة.
.
لكنّ الذي انكسرَ حقًّا
لم يكنِ الأَشياء.
بل تلكَ الرعشةُ الأولى
في روحِ الكائن.
تلكَ الثقةُ الساذجةُ
بأَنّ العالمَ
يمكنُ أَن يُبنى
من الأَسئلةِ وحدها.
أَنّ المعرفةَ شجرة،
لا متراس.
وأَنّ اليدَ التي تمتدُّ
نحو المجهول،
أَجملُ من اليدِ
التي تقبضُ على السلاح.
.
لذلكَ،
كلّما ابتعدتُ أَكثر،
كلّما عبرتُ قاراتِ العمر
ومدنَ الخيبة،
أَسمعُ شيئًا يناديني
من الجهةِ الأُخرى للوجود.
لا صوتًا...
بل جاذبيةً خفيّةً
تشدُّ روحي
إِلى الوراءِ.
إِلى ما قبلَ الأسماء.
إِلى ما قبلَ الخوف.
إِلى ما قبلَ الموت.
إِلى اللحظةِ
التي كانتِ الخليقةُ فيها
تتفتّحُ
كزهرةٍ من دهشة.
.
وأَتمنّى،
لو أَنّ قوّةً مجهولةً
تجمعُ شظايا الأَزمنة
كما يجمعُ البحرُ
فتاتَ القواقع،
وتعيدني
لا إلى طفولتي،
ولا إِلى طفولةِ الأَرض،
بل إِلى طفولةِ الكون.
إِلى اللحظةِ
التي لم يكنْ فيها شيءٌ قد تعلّمَ الكراهية.
حينَ كانَ الحبُّ
لغةَ المادةِ الأولى.
وكانَ الفضولُ
القلبَ السريَّ للنجوم.
وكانتِ الحياةُ كلُّها
شيئًا جميلاً،
هشًّا،
قابلاً للكسر...
وجديرًا بأن يُحبَّ.
.
يوسف حنا



