الكاتب: سمير الجندي
في القدس القديمة، حيث تتكئ الحجارة على ذاكرتها، ويسلم الزمان مفاتيحه لمن يستحق، يقف فرن أبو علي شاهدا لا يشيخ. عند مدخل طريق الميلوية، بعد الخروج من تقاطع خان الزيت، مقابل مسجد الشوربجي، وعلى بعد أمتار من عقبة الرصاص، كان الفرن هناك… بسيطا في هيئته، عظيما في أثره.
فرن من أقدم أفران المدينة، لا يعرف الغاز ولا الكهرباء، بل يتقد بحطب الزيتون، وكأن النار فيه امتداد لجذور الأرض نفسها. هناك كان المرحوم أبو علي، رجل من طينة القدس الأصيلة، يعجن الخبز كما يعجن العمر: بصبر، وبقناعة، وبيد تعرف معنى البركة.
خبز لأهل الحي عجينهم اليومي، وفي الأعياد كان للمعمول والكعك وخبز اليانسون الأصفر طقس خاص، رائحة تسبق المواسم وتعلن الفرح. أما في كل الأيام، فكانت أقراص البيض سيدة المكان؛ بالجبنة المثلثات، أو بالسجق والبندورة، مقرمشة، ساخنة، صادقة… تشبه المدينة نفسها.
كنا نأتيه مساء، نجلس قربه، نأكل قرصا أو اثنين، نلتقي كأصدقاء حارة قبل أن نكون زبائن. كان الفرن ملتقى لا يعلن عن نفسه، يجمع الفقير والغني، القريب والغريب، ابن القدس والسائح الذي لا يعرف العربية لكنه يفهم الطعم، ويفهم الابتسامة.
أبو علي لم يكن يتقن اللغات، لكنه كان يتقن الإنسان. يتفاهم بالإشارة، بالنظرة، بالنية الطيبة. وإذا استعان بمترجم، فذلك من باب التدبير لا العجز. كان كريما بلا ادعاء، قنوعا بلا شكوى، متواضعا كما الخبز، ومحافظا كما الوقف.
اليوم، رحل أبو علي. غاب الجسد، وبقي الأثر. بقي الفرن، وبقي الابن علي، كما بقيت حجارة القدس العتيقة؛ تتوارث النار، والوصية، والرائحة. فبعض الرجال لا يرحلون تماما، لأنهم يتركون خلفهم ما هو أصدق من السيرة: مكانا حيا.
رحم الله أبا علي…
ففي القدس، لا يقاس الخلود بطول العمر، بل بما تتركه في أفواه الناس وقلوبهم.



