واثق نيوز - نيويورك
انطلقت اليوم في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة نحو 130 من قادة ورؤساء الدول والحكومات. وتنعقد دورة هذا العام، التي يترأسها خليل الرحمن من بنغلاديش، تحت شعار: "استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع"، وتستمر مناقشاتها واجتماعاتها رفيعة المستوى حتى الثامن والعشرين من الشهر الجاري. وقد تصدرت القضية الفلسطينية والحرب الدائرة في قطاع غزة أجندة الكلمات الافتتاحية، إلى جانب نقاشات محورية حول الملف الإيراني، والأزمة الأوكرانية، ومستقبل النظام الدولي.
سبق الجلسة الافتتاحية اعتماد الجمعية العامة، في 17 سبتمبر/أيلول، قراراً استثنائياً بأغلبية 152 دولة يتيح لدولة فلسطين المشاركة في المناقشة العامة عبر كلمة مسجلة مسبقاً للرئيس محمود عباس. وجاء هذا القرار رداً على منع الولايات المتحدة للرئيس الفلسطيني ووفده من الحصول على تأشيرات الدخول للعام الثاني على التوالي. وقد عارضت القرار ثلاث دول (الولايات المتحدة، إسرائيل، باراغواي)، بينما امتنعت أربع دول عن التصويت. واعتبر المراقب الدائم لدولة فلسطين، رياض منصور، الإجراء الأمريكي "انتهاكاً واضحاً لاتفاقية المقر".
في هذا السياق عُرضت كلمة الرئيس الفلسطيني محمود عباس المسجلة مسبقاً في قاعة الجمعية العامة، وفقاً للقرار الذي اعتمدته الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة. وقد تضمنت الكلمة موقف القيادة الفلسطينية من التطورات الراهنة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتأكيد على التمسك بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إجماع دولي وتنديد أممي بالكارثة الإنسانية في غزة
شهد اليوم الأول توافقاً ملحوظاً في خطابات قادة العالم والأمين العام للأمم المتحدة حول ضرورة إنهاء المعاناة في الأراضي الفلسطينية:
-
الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش: في كلمته الأخيرة قبل انتهاء ولايته، أكد أن السلام الدائم يتطلب حل الدولتين، محذراً من اختفائه. ووصف حجم الدمار في غزة بأنه "نطاق لم يرَ مثله قط"، معتبراً ممارسات التدمير وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية تثير شبهات "التطهير العرقي".
-
الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا: افتتح قائمة المتحدثين بتوجيه انتقادات لاذعة للحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، متهماً إياها بارتكاب "إبادة جماعية". وأشار إلى أن المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية تجعل حل الدولتين أقل قابلية للتطبيق على نحو متزايد، محذراً من أن تهديد الحضارات بالإبادة لن يجلب الاستقرار إلى الشرق الأوسط . كما انتقد عجز الأمم المتحدة عن التعامل مع النزاعات، داعياً لإصلاح مجلس الأمن.
-
العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني: انتقد إدارة المجتمع الدولي للصراع بدلاً من حله، محذراً من محاولات محو الوجود الفلسطيني عبر التدمير في غزة والتهجير القسري والضم الفعلي في الضفة الغربية. وأشار إلى أنه "عندما يتعلق الأمر بإسرائيل تبقى القرارات الدولية حبراً على ورق" .
-
الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان: وصف غزة بأنها "أكبر مقبرة للأطفال في العالم"، متهماً إسرائيل بـ"إرهاب الدولة" وممارسة عقلية الإبادة الجماعية. ودعا الدول التي لم تعترف بفلسطين إلى اتخاذ هذه الخطوة فوراً. وأعرب عن حزنه "لتعذر حضور الرئيس محمود عباس معنا لعامين متتاليين"، واصفاً منعه من الحضور بأنه "إجحاف وظلم ووصمة عار"، ومؤكداً: "بينما لا يستطيع السيد عباس أن يكون هنا شخصياً، فإننا سنكون صوت دولة فلسطين الحرة ذات السيادة".
-
أمير دولة قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني: اعتبر ما يجري في غزة "إبادة جماعية ووصمة عار على ضمير الإنسانية". وحذر من مخططات التهجير الإسرائيلية، وقال: "ستُذهل الأجيال القادمة من الفجوة الهائلة بين حجم الكارثة ومستوى الاستجابة الدولية لوقفها"، محذراً من أن القادة الإسرائيليين بدأوا يعلنون صراحة أن الحل الأنسب هو تهجير السكان، وهو ما يسمونه "هجرة". مؤكداً استمرار جهود الوساطة القطرية الرامية لتحقيق وقف إطلاق نار دائم. كما أشار إلى أن الاضطهاد المستمر والفصل العنصري وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، وتدنيس المقدسات الإسلامية والمسيحية - وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك - واغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني، وأبرزها حقه غير القابل للتصرف في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، لا تزال "جرحاً مفتوحاً".
تباين المواقف حول الملف الإيراني والنظام الدولي
تطرقت المناقشات إلى أزمات دولية أخرى، برز فيها الملف الإيراني بوضوح من خلال مواقف متقاطعة:
-
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب: ركز في كلمته على الدفاع عن سياسات إدارته الصارمة تجاه طهران، واصفاً النظام الإيراني بأنه "ضعيف وبائس"، ووجه دعوة صريحة للمجتمع الدولي للانضمام إلى واشنطن في إنفاذ حصار اقتصادي شامل على إيران.
-
الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان: استغل منبر الجمعية العامة لإيصال ما وصفه بـ"مظلومية واقتدار الشعب الإيراني". واستنكر تسويغ استهداف المدنيين والمستشفيات في غزة تحت مسمى "مكافحة الإرهاب"، مشدداً على أن استخدام القوة لن يرغم الشعوب على الانصياع، وداعياً إلى تحرك دولي لفك الحصار عن غزة.
تعكس مجريات اليوم الأول للدورة الحادية والثمانين تركيزاً غير مسبوق على ضرورة إصلاح الآليات الدولية للتعامل مع الأزمات الإنسانية والسياسية، وسط مطالبات متزايدة بالانتقال من إدارة الصراعات إلى إيجاد حلول جذرية تضمن الاستقرار والسلم العالميين.

