جاكي خوري - هآرتس- في خضم الحملة الإقليمية المستمرة ضد إيران، التي ستشكل نتائجها ملامح الشرق الأوسط لسنوات قادمة، يجري صراع من نوع آخر في الساحة الفلسطينية، صراع من أجل مكان على طاولة المفاوضات حول التسويات المستقبلية. ليس على الحدود أو على الاتفاقات، بل صراع وجودي؛ صراع ليكون الفلسطينيون جزءاً من النقاش حول الشرق الأوسط الجديد، وليس مجرد عامل هامشي فيه. يبدو أن الفلسطينيين وصلوا إلى لحظة الحسم الإقليمية وهم في موقف ضعف واضح.
مسؤولون فلسطينيون رفيعو المستوى يقولون في لقاءات مغلقة بأن القيادة الفلسطينية قد استنتجت بعد أحداث 7 أكتوبر والنتائج الوخيمة في قطاع غزة، بأن العالم سيظهر اهتماماً متجدداً بالقضية الفلسطينية، وسيحاول إطلاق تحرك سياسي، ولو بالتدريج، لإعادة حل الدولتين إلى طاولة المفاوضات. ولكن في السنة الماضية، لا سيما في إدارة ترامب، اختفت هذه التوقعات. يبدو أن النقاش حول أي تحرك سياسي جوهري هو اليوم أبعد من أي وقت مضى، رغم المبادرات والمؤتمرات والأفكار المطروحة لإعادة الإعمار في قطاع غزة أو عقد ترتيبات إقليمية واسعة النطاق.
قال مسؤول فلسطيني رفيع لـ “هآرتس”: “إدارة ترامب لا تعطينا أي اهتمام. وإسرائيل تسعى إلى احتلال بعيد المدى لأجزاء في قطاع غزة وضم الضفة الغربية بالفعل. وإذا كان هناك قدر من الضغط الدولي قبل الحرب مع إيران، فلا أحد الآن مهتم بنا، وإسرائيل تواصل سيرها”.
في هذا السياق، يجب فهم تحركات الوفود الفلسطينية في الفترة الأخيرة؛ فقد انتقل وفد من كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية، بمن فيهم نائب الرئيس حسين الشيخ ورئيس المخابرات ماجد فرج، بين الرياض وأنقرة. وفي الوقت نفسه، يواصل وفد لحماس جولاته من اللقاءات وينتقل بين القاهرة والعاصمة التركية. ظاهرياً، يعمل الجانبان من أجل المصالح الوطنية الفلسطينية، أما في الحقيقة فهذا صراع على البقاء السياسي؛ فكل طرف يعمل على ترسيخ مكانته بعد انتهاء الحرب.
في العالم الذي تدار فيه الأمور حسب مبدأ القوة والمال والمصالح، تصل السلطة الفلسطينية إلى هذه اللحظة الحاسمة وهي في وضع ضعيف؛ فهي تعاني من أزمة اقتصادية شديدة، ومن تآكل شرعيتها سياسياً، أما تأثيرها على ما يحدث على أرض الواقع في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيكاد يكون معدوماً.
لذلك، يركز جزء كبير من جهود الدبلوماسية الفلسطينية على محاولة تجنيد السعودية وتركيا من أجل إعادة القضية الفلسطينية إلى الأجندة الدولية والإقليمية. حسب السلطة الفلسطينية، تعدّ السعودية لاعبة رئيسية، بسبب مكانتها في العالم العربي وعلاقاتها مع واشنطن. وفي رام الله يأملون أن تعود الرياض وتجعل مبادرة السلام العربية من العام 2002 شرطاً رئيسياً في أي تطبيع مع إسرائيل. أما تركيا فينظر إليها على أنها تستطيع التأثير على حماس بشكل أساسي. ويعتقد أن أنقرة تعمل على تسويق صيغة تسمح بدمج حماس في النظام السياسي الفلسطيني كحركة سياسية. يأتي هذا مقابل إحراز تقدم في قضية نزع السلاح أو على الأقل إخضاعها لإطار فلسطيني متفق عليه. وتعدّ هذه القضية حساسة جداً في الخطاب الفلسطيني الداخلي والإقليمي.
رام الله تخشى من تهميش القضية الفلسطينية على خلفية التطورات الإقليمية – اتفاقات أمنية مستقبلية ومحاور إقليمية جديدة وتفاهمات بين الدول العظمى.
في الوقت نفسه، تخوض حماس صراعها المستمر من أجل البقاء في قطاع غزة بعد الحرب. وتؤكد قيادة حماس، ظاهرياً، أن المحادثات في القاهرة وأنقرة تهدف إلى استكمال اتفاق وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات وإعادة إعمار القطاع وإنشاء آلية مؤقتة للإدارة. ولكن الضغط الرئيسي المستخدم على الحركة يدور عملياً حول قضية تسليم السلاح وتفكيك الذراع العسكري والتنازل عن السيطرة الأمنية في القطاع.
الاقتراحات المطروحة تتحدث عن عملية تدريجية: نزع السلاح، تفكيك الانفاق، نقل السيطرة الأمنية إلى جهة أخرى، ربما فلسطينية أو عربية. هذا على أمل أن اختتام المسار بانسحاب إسرائيلي بشكل كامل من القطاع. ولكن العملية كلها تبدو متوقفة في هذه المرحلة. وتستمر النقاشات وتُعقد اللقاءات، لكن الواقع على الأرض تحدده إسرائيل، التي تسيطر على الأمن في مناطق واسعة في القطاع وتفرض واقعاً جديداً.
مع ذلك، وسط الدمار الكبير الذي لحق بالقطاع، تواصل حماس العمل، ليس فقط كمنظمة عسكرية، بل أيضاً كهيئة حاكمة بحكم الأمر الواقع. وتصف مصادر في القطاع استمرار شرطة حماس وأمنها الداخلي وآلية تأمين قوافل المساعدات في العمل، رغم تهديد إسرائيلي مستمر بالاغتيال. وحسب رأي السكان المدنيين الذين بقوا في القطاع، فالسؤال لا يكمن في الأيديولوجيا، بل في الواقع العملياتي: من الذي يسيطر، ومن الذي يوزع المساعدات، ومن هو المسؤول عن النظام العام. في ظل غياب حكومة بديلة واضحة، فحماس هي التي تملأ الفراغ.
في الوقت نفسه، حسب مصادر في القطاع، بدأت حماس بجمع سلاح كل من لا يخضع لها، أحياناً بالقوة وأحياناً من خلال المحفزات المالية، وأحياناً من خلال الاتفاق مع العشائر. الهدف هو تركيز السلاح في يد الحركة وإظهار السيطرة ومنع ظهور فصائل منافسة في المناطق التي ما زالت تسيطر عليها. القضية المهمة لحماس هي القضية المدنية: مستقبل عشرات آلاف المسؤولين الحكوميين وضباط الشرطة ورجال الأمن في قطاع غزة. وأي ترتيب مستقبلي يجب أن يجيب عن سؤال بسيط ولكنه مهم جداً: من سيدفع رواتبهم؟ هل سيتم دمجهم في آلية حكومية جديدة أو سيتم إبعادهم عنها؟ هذا سؤال سياسي بقدر ما هو سؤال اقتصادي، لأنه يتعلق في جوهره بمستقبل السيطرة في قطاع غزة.
دبلوماسي عربي يشارك في المحادثات قال لـ “هآرتس” بأن المشكلة الأساسية تكمن في أن الجميع موجودون في حلقة مفرغة دون مخرج. “لا ينحصر السؤال فيما إذا كانت حماس ستوافق على نزع سلاحها، بل ما الذي سيحدث في اليوم التالي، وما هي قدرة السلطة الفلسطينية”، قال. وحسب رأيه، ما دامت إسرائيل ترفض أي تسوية سياسية شاملة، وما لم يكن هناك ضغط أمريكي ودولي كبير للانسحاب من قطاع غزة، فإنه يصعب تحقيق أي انعطافة. ومن ناحية إسرائيل، لا ضرورة ملحة لتغيير الوضع الراهن في ظل غياب هذا الضغط.
لذلك، في الوقت الذي يشاهد فيه الشرق الأوسط تحولات جذرية، يواجه الفلسطينيون، سواء السلطة الفلسطينية وحماس، صعوبة كبيرة في استخدام نفوذهم؛ يتنقلون بين الرياض وأنقرة والقاهرة، ويعقدون لقاءات ويجرون مفاوضات، لكنهم في نهاية المطاف لا يجلسون على طاولة صنع القرار. هدفهم الآن ليس النضال على شروط أي تسوية، بل الحفاظ على بقائهم.