الكاتب : كميل أبو حنيش
ذكرنا في حلقة سابقة كيف حظي بن غفير بلقب «البغل» نتيجة سلوكه الشعبوي البهائمي، وتصريحاته التي تعكس شخصية نرجسية واستعراضية مريضة ومهووسة. وقد أشرنا في سياق هذه الحلقات إلى أن هذا الشخص كان أحد أكثر الشخصيات إثارة للكراهية والاشمئزاز، بل والسخرية، في الشارع الصهيوني، بسبب مواقفه العنصرية المقززة التي كانوا يفضلون ألّا يُجاهر بها، حتى تظل صورة «إسرائيل الديمقراطية» هي السائدة في العالم.
لكن نموذج بن غفير، الذي استطاعت الماكينة السياسية المسمومة في إسرائيل من استيعابه في منظومتها بعد أن كان الجميع ينأى عنه، أصبح هو النموذج السائد في مختلف مؤسسات الدولة العبرية، وفي المجتمع أيضاً، بعد السابع من أكتوبر والحالة الهستيرية التي أصابت المجتمع والدولة، ولا تزال قائمة حتى اليوم.
وما إن اندلعت الحرب حتى انطلق بن غفير يصرح ويمارس عنصريته من دون قيود، بل وبتشجيع أعمى من الحكومة ومؤسسات الدولة، ووجد في السجون ساحةً، بوصفها الحلقة الأضعف، يستعرض فيها شخصيته المريضة.
لكن ذلك لم يكن مستغرباً بالنسبة إلينا في السجون، فكنا نتوقع كل سلوكه وممارساته. غير أن ما أثار دهشتنا هو انتقال تلك الروح الشيطانية الموجودة لدى بن غفير إلى شرطه وضباط مصلحة السجون. فقد تقمص قادة وضباط هذه المصلحة، طوال عقود، دور الشخصيات الليبرالية الموزونة والملتزمة بالقانون في تعاملهم مع الأسرى الفلسطينيين. لكن هذه المؤسسة الخاضعة لبن غفير، والتي كانت تحتقره وترفض سياساته وتوجهاته في بداية توليه الوزارة، أخذت بعد الحرب تتبنى سياسته وكل توجيه يصدر عنه حرفياً، بل أصبح قادتها وضباطها يتسابقون لإرضائه، ويتخذونه نموذجاً، وخاصة في إجراءات القمع والإذلال، وتصوير الاقتحامات والإهانات والتباهي بها.
وصاروا يتفننون في ابتكار الوسائل التنكيلية بحقنا، متمثلين بن غفير نموذجاً ملهماً في ممارساتهم، حيث انتقلت هذه العدوى المرضية من الوزير إلى القادة والضباط والشرطة تباعاً.
قبل الحرب، لم يكن العنف يُستخدم إلا في حالات نادرة، ولم يكن يُسمح بالشتائم، ولم تكن تُصادر الأمتعة والأغطية والملابس. ولم يحدث أن نام أحدنا على الأرض في برد الشتاء القارس، ناهيك عن التجويع والأمراض والعلاج الطبي والزيارات والمكتسبات التي كنا نحظى بها بفعل نضالاتنا الطويلة.
وبعد الحرب، جردونا من كل شيء. ولم يكتفوا بذلك، بل مارسوا العنف والإهانات والشتائم، وحتى القتل. كنا نُضرب بلا أية رحمة. ولم تعد هناك قيمة للقوانين والمنظومات الإدارية والأخلاقية والسلوكية التي كانت مصلحة السجون تتباهى بها.
وبعد تحرر جزء منا، لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بأسماء الضباط والشرطة الذين انقلبوا وصاروا يتصرفون كالبهائم البشرية، من دون أية قيود أو اعتبارات أو خشية من الملاحقة.
فعلى سبيل المثال، تصرف مدير سجن ريمون (أمنون) ومدير سجن نفحة (دنيس) بصورة تنم عن شخصيات حاقدة ومريضة. وكانا يشاركان الشرطة في القمع والاقتحامات والضرب، ويشرفان بنفسيهما على خطط التجويع والإذلال والتحطيم النفسي. كنا نراهما يحملان بنادقهما الآلية ويطوفان على غرف الأسرى مهددين بقتلهم، وكانا يريان بأم أعينهما كيف تتفشى الأمراض الجلدية، كالجرب والدمامل، ولا يحركان ساكناً. وعندما كان يتوجه إليهما أحد الأسرى بشكوى ما، كانا يسخران ويتوعداننا بالمزيد.
أما يوسف خنيفس، مدير سجن النقب، فكان يتباهى بأن في سجنه قُتل عدد من الأسرى، وأن السجن الذي يقوده هو الأكثر قمعاً وتعذيباً وتجويعاً بين السجون. ووقف ذات يوم بين مجموعة من الأسرى وقال ساخراً: «أنا أشكركم لأنني حصلت على ترقية على أكتافكم، فقط لأنني كنت الأكثر تنكيلاً بكم».
وفي سجن نفحة، كان الضابط (أيجور)، المسؤول عن قسمي 3 و4، يتصرف كأنه في أحد معسكرات النازية. وكان أيجور يمتاز ببنية ضخمة؛ إذ يبلغ طوله قرابة المترين، ويتجاوز وزنه مئةً وعشرين كيلوغراماً. وقبل أن ينتقل إلى السجون، كان يخدم في وحدة «نحشون» التي كانت ترافق بوسطات الأسرى.
وبعد الحرب، طالب بالانتقال إلى السجون حتى يتسنى له تطبيق أفكاره المريضة على الأسرى. رأيناه كيف كان يصادر كل ما تصل إليه يداه: الثياب، والأغطية، والعلب البلاستيكية، والأطباق، والملاعق، ومواد التنظيف، والخبز. ورأيناه كيف كان يستغل وقت نشرنا لثيابنا على الحبال في الساحة، وأثناء تشغيل غسالة الثياب، فيقتحم القسم، ثم يشرع بطريقة همجية في قطع الأحبال ومصادرة عشرات قطع الملابس المهترئة والمتبقية لنا. ثم يذهب إلى الغسالة، فيوقف تشغيلها ويستخرج الغسيل منها، ثم يلقيه في حاوية النفايات، مع أن هذه الثياب هي الحد الأدنى المسموح به من قبل الإدارة.
لم يكن هذا الضابط يتورع عن أية وسيلة؛ كان يضرب بيده، ويرش الغاز على الأسرى داخل الغرف، بسبب أو من دون سبب. وكان يأتينا كل يوم بطريقة جديدة في سلسلة التنكيل. وكان يحب أن يستخدم جهاز مكبر الصوت اليدوي، ويظل ينبح بصوته القبيح:
»هيا، ادخلوا... هيا، اخرجوا... استلقوا أرضاً... أخرجوا الفرشات خارج الغرف«.
وكان يمنعنا أياماً من الاستحمام، وعندما كان يسمح لنا بالخروج للاستحمام، كان يصر على تفقدنا واحداً واحداً ليتأكد إن كنا قد استحممنا أم لا. وإذا لم يثبت أن أحدنا قد استحم، كان يعاقب الغرفة بأن يعيد أفرادها إلى الاستحمام مرة أخرى.
وجاءنا مرة بصافرة بدلاً من مكبر الصوت. كان يتصرف كأنه حكم في مباراة، يصفر بالصافرة، ثم ينبح:
»ادخلوا إلى غرفكم... انبطحوا أيضاً«.
وكان أفراد الشرطة العاملون تحت قيادته في الأقسام يضحكون بسخرية، ويتفاخرون بقائدهم الذي يبتكر كل يوم أسلوباً صبيانياً ومضحكاً، متلذذين بقدراته العجيبة في تعذيب الأسرى وإذلالهم.
وأذكر كيف أشرف على عقوبة اقترحتها إحدى السجانات بحق اثني عشر أسيراً كانوا يخرجون للاستحمام، وتأخر أحدهم دقيقة في الحمام. فكانت العقوبة أن أُرغموا على الركوع على ركبهم، وجرى إغراقهم بالماء بعد فتح خرطوم مياه ذي حجم كبير. كان المشهد مذلاً ومستفزاً.
هذا غيض من فيض مما كان يحدث في السجون بعد محاكاة نموذج بن غفير، واتخاذه نموذجاً في مصلحة السجون «الإسرائيلية«.

