الاخبار الرئيسية

الحواجز تخنق المرضى في نابلس.. انتظار طويل يهدد الحياة

79 مشاهدة
الحواجز تخنق المرضى في نابلس.. انتظار طويل يهدد الحياة

نابلس - واثق نيوز-تقرير : سهير سلامة-منذ يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر الماضي، تعيش محافظة نابلس تحت حصار مشدد فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي عقب الأحداث التي شهدتها قرية تل، غرب المدينة، حيث أُغلقت غالبية الحواجز والبوابات الحديدية المنتشرة على مداخل المدينة والقرى المحيطة بها.

ومع تعطل الحركة اليومية للمواطنين، برز المرضى بوصفهم الفئة الأكثر تضررًا من هذه الإجراءات، التي حوّلت الوصول إلى المستشفيات وتلقي العلاج إلى رحلة شاقة قد تنتهي، في بعض الأحيان، بمآسٍ إنسانية.

على حاجز عورتا، جنوب شرقي نابلس، يقف سائق مركبة الإسعاف يوسف ديرية شاهدًا على ما يصفه بـ"الفترة الأصعب" التي مرت على الطواقم الطبية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويقول ديرية إن طواقم الإسعاف باتت تقضي ساعات طويلة على الحواجز، رغم وجود تنسيق مسبق مع الجانب الإسرائيلي عبر هيئة الارتباط الفلسطيني، ما يعرقل وصول المرضى إلى المستشفيات في الوقت المناسب.

ويروي أنه نقل، قبل أيام، أربعة مرضى غسيل كلى من بلدة عقربا إلى مستشفى النجاح في نابلس، إلا أن الرحلة التي يفترض أن تستغرق وقتًا قصيرًا تحولت إلى ساعات من الانتظار.

ويضيف: "وصلنا إلى حاجز عورتا وكان مغلقًا، فانتظرنا داخل مركبة الإسعاف قرابة ساعتين وربع الساعة، ثم تأخرنا ساعة ونصف أخرى أثناء العودة".

ويؤكد أن جنود الاحتلال أخضعوا مركبة الإسعاف والمرضى للتفتيش، وصوروا المرضى وهوياتهم الشخصية، رغم وجود تنسيق مسبق يسمح لهم بالمرور.

ويتابع أن مرضى آخرين كانوا متوجهين في اليوم ذاته لتلقي جلسات غسيل الكلى، اضطروا إلى الانتظار نحو أربع ساعات على الحاجز صباحًا، قبل أن يتأخروا مجددًا لساعتين ونصف أثناء عودتهم إلى منازلهم، رغم التنسيق المسبق.

ولا تقتصر المعاناة على مرضى الأمراض المزمنة، إذ يروي ديرية أن مركبة إسعاف أخرى نقلت، قبل أيام، مريضة عبر الحاجز ذاته، لكنها احتُجزت لمدة ساعة ونصف، وخضعت للتفتيش والتصوير قبل السماح لها بالعبور، رغم التنسيق المسبق.

مأساة على حاجز عورتا ..

وفي بلدة قريوت، جنوب نابلس، تحولت رحلة إسعاف عاجلة إلى مأساة إنسانية.

ويروي رئيس المجلس القروي، يوسف الحاج محمد، تفاصيل ليلة عصيبة عاشتها عائلة سيدة حامل في الثلاثينيات من عمرها، كانت في شهرها السادس من الحمل، بعد تعرضها لوعكة صحية مفاجئة تدهورت على إثرها حالتها خلال ساعات الليل.

ويقول إن سيارة إسعاف البلدة نقلت السيدة باتجاه مستشفيات نابلس، لكنها فوجئت لدى وصولها إلى حاجز عورتا بأنه مغلق.

وخلال فترة الاحتجاز، طلب جنود الاحتلال من سائق الإسعاف إطفاء محرك المركبة، رغم اعتماد المريضة على أسطوانة أكسجين.

وبحسب الحاج محمد، أدى ذلك إلى توقف عمل منظومة الأكسجين، ما تسبب بتدهور حالتها الصحية وإصابتها بنزيف حاد، قبل أن يسمح الجنود أخيرًا بمرور المركبة.

وعند وصولها إلى المستشفى، تمكن الأطباء من إنقاذ حياة الأم، إلا أنهم أعلنوا وفاة الجنين داخل رحمها. ويؤكد الحاج محمد أن الأم لا تزال تعاني من وضع صحي صعب نتيجة ما تعرضت له.

منع وصول المرضى وليس التأخير فقط ..

من جانبه، يؤكد مدير الإسعاف والطوارئ في جمعية الهلال الأحمر بمحافظة نابلس، أحمد جبريل، أن المشكلة لم تعد تقتصر على التأخير، بل وصلت إلى حد منع الطواقم الطبية من الوصول إلى بعض الحالات المرضية.

ويقول جبريل إن الحواجز والبوابات الحديدية المنتشرة على مداخل القرى والمدينة تشكل خطرًا مباشرًا على المرضى والطواقم الطبية، موضحًا أن فرق الإسعاف تواجه صعوبات متزايدة في الوصول إلى الحالات الطارئة أو نقلها إلى المستشفيات.

ويشير إلى عدم توفر إحصائية رسمية حتى الآن حول عدد الحالات التي تأثرت بالإغلاق، نتيجة اضطرار المواطنين إلى استخدام طرق بديلة ووعرة، أو بسبب تعدد الحواجز المغلقة، إلا أن الطواقم وثقت العديد من حالات التأخير والمنع.

ومن بين هذه الحالات، يلفت جبريل إلى واقعة ولادة سيدة على حاجز بيت فوريك، بعد احتجازها لنحو ثلاث ساعات، قبل أن يسمح لها بعبور الحاجز سيرًا على الأقدام، إضافة إلى حالات عديدة لمرضى غسيل الكلى الذين تأخروا لساعات على حاجزي عورتا ودير شرف.

ويضيف أن بعض مرضى الكلى اضطروا إلى مغادرة مركباتهم والسير لمسافات طويلة على الأقدام بعد ساعات من الانتظار، حتى يتمكنوا من الوصول إلى مراكز العلاج.

ويؤكد جبريل أن خدمات الإسعاف في مختلف دول العالم تعتمد على معايير دقيقة لزمن الاستجابة للحالات الطارئة، إذ قد تحدد الدقائق الأولى مصير المريض، إلا أن هذا المفهوم أصبح شبه غائب في محافظة نابلس بسبب الحواجز والإغلاقات.

ويقول: "لدينا بروتوكولات واضحة للإسعاف والطوارئ، لكن واقع الحواجز وتقطيع أوصال المدن والقرى ألغى عمليًا مفهوم زمن الاستجابة في فلسطين".

الوضع صعب وخطير .. 

بدوره، قال محافظ نابلس، غسان دغلس، إن الحواجز والإغلاقات المفروضة حول المحافظة أثرت في مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها القطاع الصحي، إلى جانب التعليم، وحركة العمال، وحتى المناسبات الاجتماعية، بما فيها حفلات التخرج والاحتفال بنتائج الثانوية العامة.

وأكد دغلس أن الوضع على الحواجز "صعب وخطير"، مشيرًا إلى أن نساء اضطررن للولادة على الحواجز، فيما فقدت سيدة جنينها في شهر الحمل السادس نتيجة التأخير، وهو ما وصفه بأنه يحمل تداعيات إنسانية وصحية بالغة الخطورة.

وأضاف أن ما يجري "يتطلب وقفة جادة من المجتمع الدولي، لأن محافظة نابلس تعيش حالة حصار وعقاب جماعي تمس جميع فئات المجتمع".

ومع استمرار الإغلاق المشدد على محافظة نابلس، تتكرر يوميًا مشاهد المرضى العالقين على الحواجز، بين من ينتظر جلسة علاج لا تحتمل التأجيل، ومن يسابق الزمن لإنقاذ حياة مريض أو جنين. وفي ظل هذه الظروف، تحولت الطرق المؤدية إلى المستشفيات من شرايين للحياة إلى نقاط انتظار مفتوحة على المجهول، ليصبح الوصول إلى الرعاية الصحية معركة يومية تسبق مواجهة المرض نفسه.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية