رام الله - واثق نيوز- كتب عيسى قراقع: كان يوم الأحد، 6/9/2026، بداية العام الدراسي في فلسطين 2026–2027. أكثر من مليون وثلاثمئة وسبعة وثمانين ألف طالب وطالبة في الضفة والقدس وغزة ينتظمون في المدارس، والساحات، وغرف الصفوف، على وقع الأناشيد والدفاتر والصباحات الساخنة، وهي تتنفس على صدر هذه الأرض المعذبة.
حملت الطفلة الطالبة وفاء يوسف عكيلي، ذات الأعوام التسعة، حقيبتها، مثل آلاف الأطفال في غزة، ومضت إلى المدرسة. مِريول أخضر، وابتسامة سماوية، وجديلة غزالة تحلب الغيم، وتغسل الضوء في زمن الإبادة والخراب.
بعد انتهاء دوامها في اليوم الأول، خرجت برفقة والدها لشراء مستلزمات المدرسة. استهدفهما صاروخ إسرائيلي في حي النصر بمدينة غزة. استشهدت وفاء ووالدها، وتبعثرت كتب المدرسة، واحترقت القرطاسية، وتفحمت جثة طفلة، وتناثرت الأشلاء. توقف حلم الصغيرة فجأة: مقعد فارغ، وحقيبة معلقة على حبل مشنقة.
لقد سبق الموت جرس المدرسة.
قُتلت وفاء، ولم يعد لها اسم في السجل المدرسي. لن نراها تركض وتلعب، وترسم غزة الجديدة بالجمال والفرح والغناء. لا أحد يعود إلى البيت إلا إذا مرّ يوم واحد بلا مجزرة. اهتزت الشوارع، ولم تهتز الضمائر المسجونة في أروقة الأمم المتحدة.
ماتت الطفلة وفاء، وفي جنازة مبكرة حُمل ملاك، كان قبل قليل يرشّ الورد على جروح المكان، ويخاطب القمر بجناحين وقصيدة.
عام دراسي يبدأ من القبر. مصائر طلبة مدوّنة على حيطان مهدمة. معلم يُقتل، ومدرسة تُقصف، فيختفي جيل كامل من الأسئلة. عشرون ألف طالب وطالبة قُتلوا في حرب الإبادة على المعرفة، وأكثر من ثمانمئة معلم ومعلمة، وجامعات هُدمت، وأكاديميون اغتيلوا، وعلماء وعقول، وشعراء وفنانون وكتّاب وموسيقيون، وتاريخ وذاكرة.
الطفلة وفاء كتاب لم يُقرأ. لا تزال تمسك تحت الركام بقلم، تقرأ الدرس وتكتب:
«أفسحوا الطريق لعشتار الفلسطينية، رمز الخصوبة وولادة الهوية، عشتار الأم التي تلد بين قذيفة وقذيفة، والحب الذي ينتصر على العدم، والزيتونة التي تستعيد ظلها، والأسير الذي يعود إلى بيته، والحجر الذي يشعل البرق في زفاف المطر».
الطالبة وفاء تركت قميصها المدرسي معلّقًا على الرياح الآتية. الأولاد في البحر، وفي الطرقات، وفي الموت والحياة، ما أكثرهم في نشيد المدرسة الصباحي. كل مرحلة سابقة تحمل بذور تطور المرحلة اللاحقة، يقول المعلم، وهو يمسح بطباشير بيضاء سواد الليل عن النفوس الخائفة.
وصل العام الدراسي، وغابت الطفلة.
مدرسة تفتح في الضفة، وطفولة تُدفن في غزة. مفارقة قاسية لمن يكتب على صفحة متشظية، تتطاير بين الانقسام، وحمى الانتخابات، والشعارات، والقنبلة.
وفاء عكيلي تكتب في الصفحة الأولى من المنهاج الجديد:
«هنا كانت طفلة تريد أن تتعلم، فاحذروا أن تقتلوا طفولتها مرة أخرى بمنهاج النسيان. إبادة الرواية أخطر من إبادة الأجساد. هل يستطيع من يهدم مدرسة أن يطلب من الطفل أن يكتب عن السلام؟ وهل يستطيع من يغيّر الخريطة أن يطلب من الطفل أن ينسى الجغرافيا؟ إنه صراع آخر يجري داخل اللغة والكتاب، ومن يسيطر على المنهاج يسيطر على الإنسان».
وفاء عكيلي أنهت عامها الدراسي قبل أن يبدأ. ذهبت فرحًا ومرحًا، وعادت محمولة على الأكتاف. توقفت الترانيم في الكنيسة، وتوقف الراوي عن الكتابة، وارتبك السياسي والمؤرخ وبائع البالونات الملونة.
ويشهد الجميع أن الجنازة كانت ثقيلة؛ طفولة ترى دمها أمامها، والشمس خجولة.
ويشهد الجميع أن وفاء اجتازت امتحان المعجزة.
حين يسبق الموت جرس المدرسة

