القدس-واثق نيوز-انطلق العام الدراسي الجديد في القدس المحتلة اليوم الاربعاء،وسط تضييق إسرائيلي متواصل على العملية التعليمية، يتخذ مسارين رئيسيين؛ أولهما تشديد فرض المنهاج الإسرائيلي على الطلبة المقدسيين، وثانيهما المماطلة في إصدار التصاريح اللازمة للعاملين في المدارس الخاصة القادمين من خارج القدس.
وفي اليوم الأول من العام الدراسي، شهدت المدارس الخاصة الإسلامية والمسيحية في القدس إضراباً شاملاً احتجاجاً على عدم إصدار سلطات الاحتلال التصاريح اللازمة للعاملين فيها، الأمر الذي حال دون انتظام الدراسة، في ظل غياب أعداد كبيرة من المعلمين والموظفين وحرمان آلاف الطلبة من الالتحاق بمدارسهم.
وتعتمد غالبية المدارس الخاصة في القدس على كوادر تعليمية وإدارية من الضفة الغربية، ولا سيما من محافظات بيت لحم والخليل ورام الله وضواحي القدس. وتصْدر سلطات الاحتلال سنوياً تصاريح عمل لهؤلاء العاملين بعد تقديم المدارس طلبات بهذا الخصوص، إلا أن المماطلة استمرت هذا العام رغم تقديم الطلبات منذ بداية أغسطس/آب الماضي، وفق ما يقول مدير مدرسة المطران "السان جورج"، ريتشارد زنانيري .
ويشير زنانيري إلى أن المدارس تلقت في وقت سابق وعوداً من وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية بإصدار التصاريح للمعلمين والإداريين وموظفي النظافة والحراسة، والبالغ عددهم نحو 180 موظفاً، إلا أن التصاريح صدرت لنحو 60% منهم فقط وبشكل عشوائي، ما أبقى عدداً من المدارس من دون كوادرها الأساسية.
ويضيف أن مدارس مثل مدارس الإيمان، والمدرسة الإبراهيمية، ومدرسة دار الطفل العربي، لم يصدر أي تصريح للعاملين فيها.
ولا يقتصر نقص التصاريح على المعلمين، بل يشمل الإداريين وموظفي النظافة والحراسة وسائر العاملين الذين تعتمد عليهم المدارس في تشغيل مرافقها وضمان انتظام العملية التعليمية، ما يجعل بدء الدراسة بصورة طبيعية متعذراً في عدد منها.
وبحسب زنانيري، تعتمد المدارس الخاصة في القدس بدرجة كبيرة على معلمين قادمين من الضفة الغربية، نظراً إلى كفاءتهم، إضافة إلى ندرة المتخصصين في بعض المجالات، ولا سيما التخصصات العلمية والتربية الإسلامية واللغة العربية، خصوصاً في المرحلة الثانوية.
ويرى زنانيري أن أحد دوافع الاستعانة بمعلمين من خارج القدس يتمثل في رفض المدارس الانخراط في سياسة الفصل التي تنتهجها سلطات الاحتلال بين القدس والضفة الغربية، قائلاً إن الاحتلال "يسعى للتفرقة بين الضفة والقدس"، وإن المدارس لن تكون أداة لدعم هذا التوجه.
ويعمل هؤلاء الموظفون في 28 مدرسة خاصة في القدس، فيما يشترط انتظام العام الدراسي إصدار تصاريحهم. ويؤكد زنانيري أن استمرار منعها سيحول دون استئناف الدراسة بصورة طبيعية.
وكان من المفترض أن يبدأ طلبة المرحلة الثانوية "التوجيهي" عامهم الدراسي في 20 أغسطس/آب الماضي، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب عدم إصدار تصاريح المعلمين. ويرى زنانيري أن استمرار هذه الإجراءات لا يؤدي فقط إلى تعطيل العملية التعليمية، بل يندرج ضمن مسعى أوسع لفصل الضفة الغربية عن القدس، من خلال التضييق على الكوادر التعليمية القادمة من الضفة ومنعها من الوصول إلى مدارس المدينة.
وفي ظل تأخر التصاريح حتى اليوم الأول من العام الدراسي، تتساءل إدارة المدارس الخاصة عن أسباب السماح ببدء العام الدراسي في المدارس الإسرائيلية، في وقت تتعطل فيه الدراسة في المدارس الفلسطينية.
ويخشى زنانيري أن يكون هذا النهج مقدمة لرفض إصدار التصاريح بصورة كاملة خلال العام الجاري والعام المقبل، معتبراً أن ما يجري يأتي ضمن سلسلة متواصلة من استهداف التعليم في القدس بدأت منذ العام الماضي، عبر فرض شروط إسرائيلية على المناهج الدراسية، والتدخل في محتواها وحذف مصطلحات ورموز وطنية، مثل "أسير" و"شهيد".
وفي محاولة للضغط على سلطات الاحتلال، بدأت المدارس الخاصة في القدس التواصل مع القناصل والسفراء في عدد من الدول الأوروبية، لحثهم على التدخل والضغط من أجل إصدار التصاريح للعاملين وتمكين المدارس من استئناف الدراسة بصورة طبيعية.
وبالتزامن مع أزمة التصاريح، شددت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، المعروفة باسم "المعارف"، إجراءات فرض المنهاج الإسرائيلي على الطلبة المقدسيين.
وبحسب الناطق باسم اتحاد لجان أولياء أمور طلبة مدارس القدس، رمضان طه، فرضت الوزارة تدريس المنهاج الإسرائيلي على الصفوف الأول والسابع والعاشر في جميع المدارس التابعة لبلدية الاحتلال في القدس، وعددها 105 مدارس، يدرس فيها نحو 45 ألف طالب وطالبة .
وتنقسم المدارس التي يتلقى فيها الطلبة الفلسطينيون في القدس تعليمهم إلى ثلاثة أنواع رئيسة؛ أولها المدارس التابعة لبلدية الاحتلال، التي تشرف عليها وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، وبدأ فيها تطبيق قرار تدريس المنهاج الإسرائيلي.
أما النوع الثاني، فيشمل المدارس الخاصة الإسلامية والمسيحية، وعددها نحو 80 مدرسة، والتي تتعرض بدورها لضغوط لفتح صفوف مخصصة لتدريس المنهاج الإسرائيلي.
فيما يضم النوع الثالث مدارس الأوقاف الإسلامية المرتبطة بوزارة التربية والتعليم الفلسطينية، ويبلغ عددها نحو 23 مدرسة.
وبحسب طه، فقد شهدت سياسة الاحتلال تجاه التعليم في القدس، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تشدداً إضافياً في إجراءات تسجيل الطلبة، بالتوازي مع تصعيد الضغوط الرامية إلى أسرلة التعليم.
ويشير إلى أن العام الدراسي الماضي شهد فرض عقوبات جديدة في هذا السياق، إلى جانب ضغوط متزايدة على إدارات المدارس وأولياء الأمور، في محاولة لدفع المنظومة التعليمية المقدسية نحو القبول بالمناهج والسياسات الإسرائيلية.
ويصف طه ما يجري بأنه "خنق للتعليم في منطقة القدس"، من خلال مجموعة من الإجراءات التي تستهدف المدارس وإداراتها، بينها الضغط على المديرين وحرمان المدارس من المنح والمخصصات المالية التي تحصل عليها عن كل طالب، ما يحمّل إداراتها أعباء اقتصادية ومالية إضافية ويزيد صعوبة إدارة العملية التعليمية.
ولا تقف تداعيات هذه الإجراءات، بحسب طه، عند حدود العملية التعليمية، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ يحذّر من محاولات "تغييب الهوية الوطنية الفلسطينية"، وسلب المجتمع المقدسي حقه في اختيار المناهج التي يرى أنها تتناسب مع هوية أبنائه وانتمائهم، وتسهم في الحفاظ على حضارتهم العربية والإسلامية.

