محليات

موسم زيتون وفير تحت نيران الاستيطان.. وفرة الإنتاج لا تكبح ارتفاع الأسعار في فلسطين

94 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

نابلس-واثق نيوز-سهير سلامة-على الرغم من المؤشرات الإيجابية التي يحملها موسم الزيتون الحالي، وما شهدته الأشجار من تحسن في الإنتاج بعد موسم سابق اتسم بالشح، فإن فرحة المزارعين الفلسطينيين بالمحصول لا تزال منقوصة، في ظل اعتداءات المستوطنين التي تستهدف الأراضي الزراعية وسرقة الثمار وتخريب الأشجار وتجريف الأراضي، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار زيت الزيتون، الذي بات يشكل عبئاً إضافياً على الأسر الفلسطينية، التي تحاول تأمين احتياجاتها السنوية منه في ظل أوضاع اقتصادية صعبة.

ويواجه الموسم الحالي مفارقة لافتة؛ فبينما تشير التوقعات إلى تحسن ملحوظ في الإنتاج، تتزايد المخاوف من استمرار ارتفاع الأسعار، في مشهد يناقض ما يُفترض أن تفضي إليه وفرة المحصول من تراجع في الأسعار وتحسن في قدرة المواطنين على الشراء.

وبين اعتداءات تستنزف جزءاً من الإنتاج قبل وصوله إلى المعاصر، وعائلات تسعى إلى تعويض ما فقدته من مخزونها خلال الموسم الماضي، تتداخل عوامل عدة في تحديد مسار سوق زيت الزيتون الفلسطيني، وسط تساؤلات بشأن قدرة الوفرة المتوقعة على تخفيف الأعباء عن المستهلكين والمزارعين على حد سواء.

إنتاج مضاعف.. لكن المخاطر لا تزال قائمة ...
تشير التقديرات الأولية إلى أن إنتاج زيت الزيتون الفلسطيني خلال الموسم الحالي قد يتراوح بين 18 و20 ألف طن، مقارنة بأقل من 10 آلاف طن في الموسم الماضي، وهو ما يمثل تحسناً واضحاً في حجم المحصول، ويعزز الآمال بتوافر كميات أكبر في الأسواق المحلية.

ومن الناحية الاقتصادية، يفترض أن تسهم هذه الزيادة في المعروض في تخفيف الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا وصلت غالبية المحاصيل إلى المعاصر، وتمكن المزارعون من جني ثمار أشجارهم دون عوائق.

غير أن هذه التقديرات لا تعكس بالضرورة حجم الإنتاج الذي يمكن الاستفادة منه فعلياً، إذ تواجه مناطق واسعة من الضفة الغربية تحديات متصاعدة بفعل اعتداءات المستوطنين، الذين يستهدفون المزارعين وأراضيهم خلال موسم القطاف، من خلال سرقة المحاصيل والاعتداء على الأشجار، فضلاً عن منع أصحاب الأراضي من الوصول إليها في بعض المناطق.

وبذلك، لم تعد المشكلة مرتبطة بقدرة أشجار الزيتون على الإثمار فحسب، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة أصحابها على الوصول إلى أراضيهم وحماية محاصيلهم وجنيها في الوقت المناسب.

وتعني هذه الاعتداءات أن جزءاً من الإنتاج المتوقع قد لا يصل إلى المعاصر الفلسطينية، ما يحد من أثر الوفرة على حجم المعروض في السوق، ويزيد من الأعباء التي يتحملها المزارعون الذين يجدون أنفسهم في مواجهة خسائر مباشرة تهدد مصدر رزقهم الأساس .

ولإيضاح حجم التأثير المحتمل، فإن خسارة افتراضية تبلغ 10% من إنتاج متوقع يصل إلى 20 ألف طن تعني فقدان ما يعادل ألفي طن من الزيت. وهذا مثال حسابي لتوضيح حجم المخاطر، وليس تقديراً فعلياً لحجم الخسائر المسجلة على الأرض.

وفي مؤشر على خطورة سرقة المحاصيل، تداولت منصات التواصل الاجتماعي، الأسبوع الماضي، منشوراً لأحد المستوطنين يتحدث عن بيع زيت زيتون جرى عصره من محصول مسروق، بسعر 475 شيكلاً للتنكة التي تزن 17.5 كيلوغراماً، وفق ما ورد في المنشور المتداول.

وتكشف هذه الوقائع، إلى جانب الاعتداءات المتواصلة على الأراضي الزراعية، عن جانب من المعاناة التي يواجهها المزارع الفلسطيني، الذي لا يقتصر قلقه على حجم الإنتاج أو تكاليف القطاف والعصر، بل يمتد إلى الخشية من فقدان محصوله بالكامل قبل أن يتمكن من الاستفادة منه.

عائلات تسعى إلى تعويض مخزونها المفقود ..
في المقابل، يبرز عامل آخر قد يؤثر في حركة الأسعار، يتمثل في الطلب المتوقع من الأسر الفلسطينية التي استنزفت مخزوناتها المنزلية خلال الموسم الماضي، الذي شهد تراجعاً كبيراً في الإنتاج.

ففي العادة، تحرص العائلات الفلسطينية على شراء كميات من زيت الزيتون تكفي احتياجاتها طوال العام، باعتباره عنصراً أساسياً على المائدة، وجزءاً أصيلاً من العادات الغذائية والاجتماعية المرتبطة بموسم القطاف.

لكن شح المحصول في الموسم السابق دفع كثيراً من الأسر إلى تقليص مشترياتها أو استهلاك ما لديها من مخزون دون القدرة على تعويضه بالكميات المعتادة.

ومع تحسن الإنتاج هذا العام، قد تتجه هذه العائلات إلى شراء كميات إضافية لإعادة بناء احتياطياتها المنزلية وتأمين احتياجاتها حتى الموسم المقبل.

وهنا تبرز معادلة العرض والطلب بصورة أكثر تعقيداً؛ فالأسرة التي اعتادت شراء احتياجاتها السنوية من الزيت، واضطرت في الموسم الماضي إلى تقليص الكمية بسبب ارتفاع الأسعار وشح المعروض، قد تدخل السوق هذا العام وهي بحاجة إلى تعويض النقص المتراكم، وليس فقط شراء الكمية التي تستهلكها سنوياً.

ومن شأن هذا الطلب الإضافي أن يمتص جانباً من الزيادة المتوقعة في الإنتاج، ولا سيما خلال الأسابيع الأولى من موسم القطاف، حين تتحدد ملامح الأسعار وفق الكميات التي تصل إلى المعاصر وحجم الإقبال على الشراء.

لماذا قد لا تنعكس وفرة المحصول على الأسعار؟ ..
تبدو المعادلة الاقتصادية للموسم الحالي مرتبطة بعاملين رئيسيين: حجم الإنتاج الذي يصل فعلياً إلى الأسواق، ومستوى الطلب المحلي على الزيت.

فكلما اتسعت الاعتداءات وتزايدت حالات سرقة المحاصيل ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، تراجعت الكميات المتاحة فعلياً، حتى لو كانت الأشجار قد أنتجت محصولاً وفيراً.

وفي المقابل، قد يؤدي اتجاه العائلات إلى إعادة تكوين مخزونها السنوي إلى زيادة الطلب، الأمر الذي يحد من قدرة وفرة الإنتاج على دفع الأسعار نحو الانخفاض.

ومع ذلك، فإن ارتفاع الأسعار ليس نتيجة حتمية لهذه العوامل؛ إذ يمكن أن تسهم الكميات الكبيرة التي تشير إليها التقديرات الأولية في تخفيف الضغوط السعرية، إذا تمكن المزارعون من جني محاصيلهم ووصلت غالبية الكميات إلى المعاصر والأسواق.

وتبقى الأسعار النهائية مرهونة بحجم الإنتاج الفعلي، ونسبة المحاصيل التي يمكن جنيها دون خسائر، وتكاليف القطاف والعصر والنقل، فضلاً عن حجم الطلب المحلي خلال الموسم.

وفي ظل هذه المعطيات، يجد المستهلك الفلسطيني نفسه أمام مفارقة صعبة: موسم يُفترض أن يوفر الزيت بكميات أفضل، لكنه لا يضمن بالضرورة انخفاض الأسعار أو تسهيل الحصول على هذا المنتج الأساسي، خصوصاً للأسر محدودة الدخل.

المزارع بين حماية الأرض وتأمين لقمة العيش ..
ويختصر الحاج نادر البكر، من قرى شرق نابلس، جانباً من معاناة المزارعين في هذا الموسم، قائلاً إن وفرة المحصول لا تبدد المخاوف التي يعيشها الفلاح الفلسطيني، في ظل الاستيطان والاعتداءات وتجريف الأراضي، وما تفرضه هذه الظروف من تهديد مباشر لمصدر رزقه واستقراره الأسري.

ويشير البكر إلى أن المزارع يجد نفسه أمام مسؤوليتين متلازمتين؛ الأولى توفير مخزون من زيت الزيتون يكفي أسرته للعام المقبل، والثانية الاستفادة من الكميات المتبقية وبيعها لتأمين احتياجات أطفاله والتزاماته المعيشية.

فموسم الزيتون، بالنسبة إلى كثير من العائلات الزراعية، ليس مجرد مناسبة سنوية لجني الثمار، بل يمثل مصدراً رئيسياً للدخل، تعتمد عليه الأسر في سداد القروض وتغطية نفقات التعليم وتلبية الاحتياجات الأساسية، في ظل محدودية فرص العمل وتراجع مصادر الدخل الأخرى.

ويضيف أن قدرة الفلاح على مواصلة الإنتاج باتت مرتبطة، إلى حد كبير، بقدرته على الوصول إلى أرضه وحمايتها من الاعتداءات، والحفاظ على إرث أجداده الذي توارثته العائلة جيلاً بعد جيل.

فالأرض بالنسبة إلى المزارع الفلسطيني ليست مجرد مساحة زراعية أو مصدر اقتصادي، بل هي ارتباط بالهوية والجذور، ووسيلة للصمود في وجه محاولات الاستيلاء عليها وتقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.

ويؤكد البكر أن تمسك المزارع بما تبقى له من أرضه، وقدرته على زراعتها وجني ثمارها، يشكلان شرطاً أساسياً لتأمين قوت عائلته وتوفير زيت الزيتون الذي تحتاج إليه، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والمعيشية.

وبين وفرة الإنتاج ومخاطر الاستيطان وارتفاع الأسعار، يبقى موسم الزيتون الفلسطيني اختباراً لقدرة المزارع على حماية أرضه ومحصوله، ولقدرة السوق المحلية على تحويل التحسن في الإنتاج إلى منفعة حقيقية للمستهلكين.

فالموسم الجيد لا يُقاس فقط بعدد الأطنان التي تنتجها الأشجار، بل أيضاً بمدى قدرة أصحاب الأرض على الوصول إليها وجني ثمارها، وبقدرة العائلات على شراء زيتها بأسعار تتناسب مع إمكاناتها، حتى لا تتحول وفرة المحصول إلى مفارقة جديدة يدفع ثمنها المزارع والمستهلك معاً.