تل ابيب-واثق نيوز-ترجمة-شارك غيورا آيلاند، اللواء احتياط والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، صباح اليوم الثلاثاء، في مؤتمر «شخصيات الدولة»، الذي تنظمه صحيفتا «يديعوت أحرونوت» وموقع «واينت» .
وتحدث آيلاند عن الخطأ الذي ارتكبته إسرائيل قبل نحو عشرين عاماً وأدى، بحسب رأيه، إلى أحداث السابع من أكتوبر، وعن عدم جاهزية الجيش الإسرائيلي على مختلف الجبهات، والتغييرات الإيجابية التي طرأت عليه خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
كما شرح الأسباب التي تدفعه إلى اقتراح الانسحاب من المنطقة العازلة داخل سوريا، قائلاً: «من الصحيح تحمّل هذه المخاطرة، شريطة ضمان عدم دخول أسلحة متطورة إلى سوريا».
وقال آيلاند إن «الأخطاء الكبرى تبدأ دائماً بوصف خاطئ للواقع»، مشيراً إلى أن إسرائيل، منذ عام 2007 وحتى السابع من أكتوبر وما بعده، تواصل ارتكاب الخطأ نفسه في توصيف الوضع في قطاع غزة.
وأوضح: «التوصيف الإسرائيلي السائد هو أن هناك مليوني إنسان مسكين في غزة، وأن منظمة إرهابية رهيبة تُدعى حماس-حسب تعبيره- جاءت ذات يوم وسيطرت على القطاع بالقوة، ولذلك فمن الصحيح أن نحارب حماس، لكن ليس لدينا أي شيء ضد مليوني إنسان بائسين وجدوا أنفسهم في هذا الوضع».
وأضاف: «لا توجد أي علاقة بين هذا التوصيف الساذج والواقع. ففي عام 2007 تحولت غزة إلى دولة بكل معنى الكلمة، لها حدود واضحة، وسلطة مركزية فعالة قادرة على جباية الضرائب، وتدير جميع أنظمة الصحة والتعليم والصرف الصحي وغيرها. ولديها سياسة خارجية مستقلة تماماً، وجيش خاص بها».
وتابع: «الطريقة الصحيحة لتوصيف ما حدث في السابع من أكتوبر هي أن دولة غزة شنت حرباً على دولة إسرائيل».
واعتبر آيلاند أن التوصيف الخاطئ للواقع انعكس أيضاً على الطريقة التي تعامل بها الجيش الإسرائيلي مع حركة حماس. وقال: «كان معروفاً منذ سنوات أن على الجانب الآخر من الحدود قوة نخبة تابعة لحماس تضم ما لا يقل عن 3,000 عنصر، مجهزين ومدربين جيداً، ويتمتعون بدافع ديني مرتفع للغاية، ويستطيعون الوصول إلى أي مستوطنة أو معسكر للجيش الإسرائيلي خلال عشر دقائق، وأن مهمتهم الواضحة والمحددة هي اقتحام الأراضي الإسرائيلية».
وأضاف: «في جميع تقديرات الموقف التي أجراها الجيش الإسرائيلي على مدار سنوات، بدءاً من مستوى الفرقة العسكرية والقيادة الإقليمية وحتى هيئة الأركان العامة، كان السيناريو الأكثر خطورة الذي جرى الاستعداد له يتمثل في هجوم متزامن يشنه 60 مسلحاً فقط».
وتساءل: «كيف تعرف أن لديهم 3,000 عنصر، ثم تقول إن السيناريو الأسوأ هو هجوم 60 فقط؟ كيف نشأت هذه الفجوة الهائلة؟». وأجاب: «الإجابة بسيطة جداً، وهي فلسفية بالكامل. فعندما تصف الطرف الآخر بأنه منظمة إرهابية تعمل بأسلوب حرب العصابات، وتعتمد على مسلحين منفردين، فإنك تبني تقديراتك وفق هذا التصور».
وقال آيلاند إن الخطأ نفسه كان قائماً على الحدود الشمالية في السابع من أكتوبر. وأوضح: «في عام 2014 أنشأ حزب الله قوة الرضوان التي تضم 6,000 مسلح. وتدريجياً اقترب هؤلاء من الحدود، وبنوا التحصينات والمخابئ والمنظومات العسكرية».
وأضاف: «المهمة الرسمية للفرقة 91 هي الدفاع عن الجليل، لكنها لم تكن مستعدة للدفاع. ولكي تحقق هذه المهمة، يجب تطبيق المبادئ الأساسية للدفاع، وفي مقدمتها العمق الدفاعي وقوات الاحتياط».
وتساءل: «ماذا كان لدى فرقة الجليل في الساعة السادسة والنصف من صباح السابع من أكتوبر؟». وأجاب: «خط مواقع عسكرية ضعيف، من دون عمق دفاعي، ومن دون خط دفاع ثانٍ، ومن دون قوات احتياط، والأهم من ذلك، من دون قوة نارية متاحة تستطيع إطلاق نيران كثيفة وفعالة على نقاط الاختراق».
واعتبر آيلاند أن سلسلة الأخطاء هذه لم تنبع مما يُعرف في إسرائيل بـ«التصور الأمني» أو «الكونسبتسيا»، بل من مشكلة أعمق تتعلق بالإيمان المسبق بفرضيات معينة.
وقال: «أنت تتبنى أولاً اعتقاداً بشأن ما سيحدث وما لن يحدث، ومنذ تلك اللحظة تبدأ بترتيب الوقائع بما يتناسب مع هذا الاعتقاد. وعقلك مرن بما يكفي لتكييف الواقع مع الاعتقاد، بدلاً من تكييف الاعتقاد مع الواقع».
وأضاف: «هذا أسوأ من التصور الخاطئ؛ لأن التصور يعكس، ظاهرياً، عملية تفكير غير صحيحة، لكنه يبقى عملية تفكير. أما أنا فأتحدث عن إيمان لا يستند إلى أي أساس عقلاني، بل يقوم بالكامل على العاطفة، وعلى عدد كبير من الافتراضات الخاطئة التي طورتها عبر السنوات، ولم أعد أختبر صحتها إطلاقاً».
وعلى الرغم من انتقاداته، أشار آيلاند إلى جانبين شهد فيهما الجيش الإسرائيلي تحسناً خلال السنوات الثلاث الماضية، الأول يتعلق بالانضباط العسكري الأساس، الذي وصف مستواه في السابع من أكتوبر بأنه «كان مروعاً».
وقال: «الجيش تعلم الدرس، وأعتقد أن التحسن في مستوى الانضباط حقيقي». أما الجانب الثاني، فهو إدراك ضرورة إنشاء مناطق عازلة على الحدود.
وأوضح: «في لبنان وغزة على حد سواء، لا تستطيع إسرائيل الدفاع عن نفسها عندما تكون هناك مستوطنات على الحدود، وعلى الجانب الآخر عدو يتمركز على مسافة 200 متر فقط، ولديه نوايا هجومية».
في المقابل، ميّز آيلاند بين الوضع العسكري على الحدود السورية والوضع في لبنان وغزة. وقال: «هناك اختلافات عملياتية وتكتيكية كثيرة، والحاجة إلى الاحتفاظ بالأراضي داخل سوريا أقل مما هي عليه في لبنان».
وشدد على أنه لا يدعو إلى الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة العازلة في سوريا بصورة أحادية الجانب، وإنما في إطار ترتيبات أمنية وسياسية تضمن تحقيق مكاسب استراتيجية.
وأوضح : «يمكن لإسرائيل العودة إلى خط الحدود، بشرط وجود خطة أميركية تضمن عدم دخول أسلحة متطورة مصنوعة في تركيا أو روسيا إلى سوريا».
وأضاف: «يمكن التنازل عن الجيب المحدد داخل الأراضي السورية. إنها مخاطرة من الصحيح تحملها، بشرط أن يكون المقابل الاستراتيجي الذي تحصل عليه إسرائيل أكثر أهمية بكثير».
وبذلك، يميز آيلاند بين الاحتفاظ بمناطق عازلة في غزة ولبنان باعتباره ضرورة دفاعية من وجهة نظره، وبين إمكانية الانسحاب من المنطقة العازلة في سوريا مقابل ضمانات أميركية ومكاسب استراتيجية.

